بقلم زكية لعروسي, باريس
الحروب الكبرى قد تكون تلك اللحظة التي يتغير فيها الخيال السياسي للطرفين. وحين يعلن رئيس دولة محاصرة منذ سنوات أن «إذا احترقت أوكرانيا، فستحترق موسكو أيضا»، فإننا لا نكون أمام تصريح عسكري، بل أمام إعلان فلسفي عن نهاية مرحلة كاملة من الحرب وبداية مرحلة أخرى. منذ اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا، كان ثمة افتراض غير معلن يحكم المشهد: يمكن لروسيا أن تنقل الحرب إلى العمق الأوكراني، بينما يبقى القلب الروسي، وخصوصا موسكو، بعيدا نسبيا عن التجربة اليومية للعنف. كانت الحرب تسكن الشاشات بالنسبة إلى كثير من الروس، بينما كانت تسكن النوافذ والبيوت بالنسبة إلى الأوكرانيين. لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب الطويلة لا تحترم الخطوط النفسية التي يرسمها السياسيون. ففي لحظة ما، يبدأ الطرف الذي تلقى الضربات سنوات طويلة في البحث عن معادلة جديدة للتوازن. ليس توازنا في القوة، بل توازنا في الألم.
هذا بالضبط ما تعكسه الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى. فالقضية ليست في عدد الطائرات المسيّرة التي وصلت أو تم اعتراضها، بل في الرسالة الكامنة خلفها: لم تعد موسكو فضاء رمزيا منفصلا عن الحرب. وهنا يعود التاريخ الروسي نفسه ليفرض حضوره. فمنذ غزو نابليون عام 1812 وحتى الاجتياح الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، تشكل الوعي الروسي على فكرة جوهرية: أن بقاء الدولة مرتبط بقدرتها على حماية مركزها الحضاري والسياسي. كانت موسكو أكثر من مدينة؛ كانت استعارة للاستمرارية الروسية ذاتها. ولذلك فإن ظهور أعمدة الدخان بالقرب من العاصمة لا يقرأ فقط بوصفه حدثا عسكريا،إنّما بوصفه حدثا نفسيا واستراتيجيا. إنه يضرب إحدى الركائز الرمزية التي بنت عليها روسيا روايتها للحرب.
لكن المفارقة أن أوكرانيا بدورها تخوض معركة رمزية لا تقل أهمية. فكييف لم تعد تلك الدولة التي كانت تنتظر شحنات الأسلحة الغربية كي تصمد أسبوعا إضافيا. لقد تحولت تدريجيا إلى مختبر عسكري وصناعي وسياسي غير مسبوق في أوروبا الحديثة. فالدولة التي كانت تكافح من أجل البقاء أصبحت تتحدث عن إنتاج الصواريخ وأنظمة الدفاع وتطوير القدرات الاستراتيجية طويلة المدى. إنها لحظة تاريخية نادرة تنتقل فيها أمة من منطق الدفاع عن الوجود إلى منطق إعادة تعريف ذاتها. ومن منظور الفلسفة السياسية، يبدو الصراع الروسي الأوكراني اليوم أشبه بمواجهة بين تصورين مختلفين للتاريخ. فروسيا ترى نفسها وريثة إمبراطورية كبرى تحاول استعادة مجالها الحيوي ومكانتها الدولية. أما أوكرانيا فترى نفسها مشروع أمة حديثة تريد تثبيت استقلالها النهائي داخل الفضاء الأوروبي.

لهذا السبب يتجاوز النزاع حدود الأراضي والخرائط. إنه صراع على السردية التاريخية ذاتها. من يملك حق تعريف الماضي؟ ومن يملك حق رسم المستقبل؟ لقد كتب الفيلسوف الألماني هيغل أن التاريخ يتحرك عبر صدام الإرادات الكبرى. وما نراه اليوم على سهول أوكرانيا وفي سماء موسكو ليس مجرد صراع جيوش، بل صدام رؤيتين للعالم. كل طرف مقتنع بأنه يدافع عن ضرورة تاريخية. غير أن الحروب تحمل دائما مفارقة قاتلة. فكلما طال أمدها أصبحت أهدافها الأصلية أقل وضوحا. يتحول الانتصار إلى مفهوم غامض، وتصبح القدرة على الاستمرار بحد ذاتها شكلا من أشكال النصر. في هذا السياق، تبدو الضربات الأوكرانية داخل العمق الروسي محاولة لإعادة صياغة قواعد اللعبة. فكييف تدرك أن استنزافها وحدها يخدم خصمها الأكبر. ولذلك تسعى إلى نقل جزء من الكلفة النفسية والاقتصادية والاستراتيجية إلى الطرف الآخر.
أما أوروبا فتجد نفسها أمام معضلة تاريخية معقدة. فهي تريد انتصار أوكرانيا أو على الأقل منع هزيمتها، لكنها تخشى في الوقت ذاته توسع دائرة المواجهة. ولهذا تتردد بين الدعم العسكري المتزايد والحذر السياسي المتواصل. وربما لهذا السبب بدت قمم بروكسل الأخيرة أقل حماسة تجاه فكرة الانضمام السريع لأوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي. فالاتحاد الأوروبي، الذي ولد أصلا لتجاوز منطق الحروب، يجد نفسه اليوم مضطراً للتفكير بلغة القوة والجغرافيا السياسية من جديد. في النهاية، ليست كييف وموسكو مجرد مدينتين تتبادلان الرسائل النارية عبر السماء. إنهما تمثلان فصلين متوازيين من رواية أوروبية كبرى لم تُكتب نهايتها بعد. وبين أضواء الكرملين وقباب كييف الذهبية يقف التاريخ مترددا، غير قادر بعد على تحديد أي سردية ستبقى عندما ينقشع الدخان. فالحروب تبدأ بالمدافع، لكنها تُحسم غالباً في ميدان أعمق: ميدان الزمن والذاكرة والقدرة على إقناع الأجيال القادمة بمعنى التضحيات التي قُدمت.
📲 Partager sur WhatsApp