فلوتيلا الأوهام:  أسئلة على حافة الماء

بقلم زكية لعروسي، باريس

على بعد مئات الكيلومترات من شواطئ غزة، في المياه الدولية قبالة كريت اليونانية، حيث كانت الأمهات في العصور القديمة تروي قصص المينوتور، حدث أمس ما يشبه المسرحية العبثية الحديثة: أسطول الحرية (فلوتيلا) الذي انطلق ليكسر حصار غزة، لم يصل إلى غزة، ولم يقترب من غزة، بل اصطدم بالجيش الإسرائيلي في عرض البحر… ثم اختفى!

القصة باختصار رائعة: 175 ناشطا على عشرين قاربا أرادوا الوصول إلى غزة لإيصال المساعدات وكسر الحصار. لكن قبل أن يلمسوا حتى المياه الإقليمية الإسرائيلية، أو حتى قبل أن يروا أفق فلسطين، اعترضتهم البحرية الإسرائيلية. ثم بعد اعتقال وجدل، أفرج عن معظمهم، وبقي اثنان: إسباني وبرازيلي، نُقلا إلى إسرائيل… “للاستجواب”! وهنا تبدأ الحكاية العجيبة: استجواب في إسرائيل لمجرد أنك أردت كسر حصار… أليس هذا مثل أن تقبض الشرطة عليك لأنك أردت أن تتنفس هواء نقيا في زنزانتك؟ أم أن “الإنسانية” أصبحت جريمة في قاموس الشرق الأوسط الجديد؟

تتحدث إسرائيل عن أن “الاثنين المشبوهين” مرتبطان بمؤتمر فلسطيني في الخارج، ومنظمة خيرية تتهمها الولايات المتحدة وإسرائيل بالارتباط بحماس. لكن السؤال الفلسفي الذي لا يُطرح في البيانات الرسمية: ألا يحق لأي شخص في العالم أن يمد يده إلى إنسان جائع دون أن يتهم بالإرهاب؟ المضحك المبكي أن السفن لم تكن تحمل صواريخ، لم تكن تحمل أسلحة، لم تكن تحمل حتى كتيبة عسكرية. كانت تحمل… أملا. وكانت تحمل طحينا وأدوية وأحلام أطفال.

لكن في منطق آخر، “الأمل” يمكن أن يكون “جريمة” إذا جاء من العدو، و”الطحين” يمكن أن يكون “غطاء إرهابيا” إذا كان القصد منه كسر قواعد لعبة الحصار. نحن هنا أمام دولة تعترف علنا بأنها ستمنع وصول المساعدات الإنسانية لقطاع غزة بأي وسيلة، وتصف كل محاولة لكسر الحصار بأنها “استفزاز” و”انتهاك للأمن القومي”! وهل الأمن القومي لدولة يبنى على جوع أطفال ومقتل أمهات وبطولة متطوعين؟

لنتأمل هذه العجيبة التي لم تحدث في التاريخ الحديث كثيرا: قرصنة سفن في المياه الدولية، على بعد مئات الأميال من الساحل الإسرائيلي، من دون أي مبرر دولي سوى “أنهم متجهون إلى غزة”! قبل سنوات، كانت القرصنة تتم على بعد أميال قليلة من شواطئ غزة، بحجة “الاقتراب من المياه الإقليمية”. أما اليوم، فقد تطور الأمر: القرصنة تتم في مياه اليونان! حيث لا علاقة لإسرائيل بها، ولا ولاية لها عليها، ولا حتى أي ادعاء بالحق في التفتيش.

هذا يشبه تماما أن يوقف شرطي مغربي سيارة في إيطاليا بحجة أن السائق سيتجه إلى المغرب لخرق القانون هناك. إنه منطق “الولاية الأمنية الممتدة”، منطق الإمبراطورية التي لا تعترف بالحدود ولا بالقانون الدولي. في الثقافة المغربية الشعبية، هناك مثل بديع: “اللي فات السوق، فات الحارة” (من يجتاز السوق، يجتاز الحي). هنا إسرائيل تجتاز البحر الأبيض المتوسط كله. من ميناء أسدود إلى شواطئ كريت، من غزة إلى أثينا، الكل مراقب، والكل خاضع للقبضة الأمنية الطويلة.

التهمة المباشرة التي وجهتها إسرائيل للناشطين: الدعم المزعوم لحماس عبر جمعيات خيرية فلسطينية في الخارج. ولكن دعونا نكن صادقين: هل كلّ من يمد يده إلى غزة يصبح “عميلا لحماس” تلقائيا؟ الأونروا نفسها اتُهمت بذلك، واليونيسيف اتُهمت بذلك، والصليب الأحمر اتُهم بذلك. حتى الأطباء الذين يدخلون غزة لعلاج مرضى السرطان يتم استجوابهم أحيانا بتهمة “نقل معلومات للعدو”. هذه هي العبقرية: اجعل كل عمل إنساني مشبوها، وكل محاولة لإغاثة جائعي غزة عملا إرهابيا. وعندها، يمكنك أن تبرر أي اعتقال، وأي قرصنة. بل ويمكنك أن تبرر حتى تفجير مدارس ومستشفيات بأكملها لأنها كما تقول “تستخدم لعمليات إرهابية”!

لماذا بالضبط الاثنان بالذات؟ إسباني وبرازيلي. واحد يُوصف بأنه “قائد مؤتمر فلسطيني في الخارج”، والآخر “يعمل مع الجمعية ويشتبه في أنشطته”. إسرائيل تريد إرسال رسالة مزدوجة:

1- لأوروبا وأمريكا اللاتينية: “ربما لا تريدون محاكمة مواطنيكم؟ تفضلوا اضغطوا علينا، لكن نحن نملك زمام المبادرة”.

2- للناشطين في المستقبل: “انظروا إلى ما سيحدث لكم إن حاولتم. قد لا تعودون إلى بلادكم سريعا كما تتوقعون”.

إنها لعبة نفسية بارعة: تحويل النشاط الإنساني إلى جريمة تستحق التحقيق، ليس لأن هناك جريمة حقيقية، ولكن لأن الحالة أصبحت جريمة في حد ذاتها.

في غزة، لا تزال المساعدات الإنسانية “مقيدة بشدة”. هذا هو التعبير اللطيف الذي تستخدمه التقارير الدولية. التعبير غير اللطيف هو: أطفال غزة ينامون على أصوات الطائرات، يستيقظون على قصف الدبابات، يذهبون للمدرسة إذا بقيت مدرسة، يأكلون إذا وجدوا طعاما، يتنفسون إذا سمح الحصار. وفي خضم هذه المأساة اليومية، يأتي أسطول الحرية ليقول: العالم لم ينسكم. لكن الجيش الإسرائيلي يعترضه في عرض البحر، ويقول: بلى، العالم يجب أن ينساكم! وغزة تبقى غزة… سجنا مفتوحا، ومفتاح السجن ليس مع الأسطول، وليس مع الأمم المتحدة، بل مع إدارة إسرائيل. في الثقافة العربية، هناك مثل عميق: “اللي ما يعرف الصقر يشويه”, وهنا إسرائيل تشوي كل طائر يحاول التحليق نحو غزة. الصقر أم الحمامة أم حتى النورس: كلهم في نظرها”إرهابيون محتملون”.

الإسباني والبرازيلي بالإفراج، أم بالاعتقال الطويل؟ هل سيكون مصير أسطول الحرية مثل سابقاته: اعتقالات، تحقيق، إفراج، ثم صمت، ثم محاولة جديدة؟ والمقلق حقا أن إسرائيل لم تعد تكتفي باعتراض السفن قبالة سواحل غزة، بل تتوسع في ممارساتها إلى المياه الدولية، وكأنها تعلن للعالم: “من يريد مساعدة غزة فليدخل في متاهة أمنية لا تنتهي”. أما نحن، فنتساءل قارئي الكريم : إلى متى سيظل العالم متفرجا على قرصنة دولة السفن في المياه الدولية؟ وإلى متى سيظل الحصار على غزة بكامل قسوته؟

في خضم كلّ هذه الضبابية، هناك حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: طفل غزة لا يهمه أسطول ولا تحقيق ولا واشنطن ولا بروكسل. كل ما يهمه هو أن يعيش. فهل تسمح إسرائيل له بذلك؟ أم أن “الحق في الحياة” أصبح أيضا استفزازا يحتاج إلى استجواب؟ وبئس الاستجواب… وبئس العالم الذي يترك أطفال ونساء غزة يختنقون وحيدين في عرض البحر.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “فلوتيلا الأوهام:  أسئلة على حافة الماء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *