الذاكرة تحترق: هل تجاوزت الصواريخ اليونسكو؟

بقلم زكية لعروسي، باريس

في لحظة ما، لم يعد صوت المدفع مجرد دوي في نشرة أخبار. صار له طعم مختلف: طعم غبار حجر عمره ألف عام يختلط بدم ساخن. صارت لنا أيقونة جديدة للحرب: ليست جنديا يسقط، بل قصرا صفويا يتهاوى، ومرآة قاجارية تتناثر كالنجوم الميتة على بلاط كان يطئه يوما الشعراء. بين 28 فبراير ويومنا هذا، لم يمت في الشرق الأوسط بشر فقط. ماتت روح الأمكنة. قتلت ذاكرة الحجارة. والغريب أن صمتا عجيبا يلف المكان الذي خلق ليكون الصوت الوحيد المسموع في هذه الفوضى: شارع فونتنوا في باريس، حيث مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). فأين صوتها؟ أم أن الصواريخ، ببساطة، تجاوزتها؟

.في قصر جهلستون بأصفهان، كانت البركة العاكسة تعكس قبابا زرقاء كأنها سماء ثانية. اليوم، الرياح الباردة تدخل من نوافذ محطمة، تحمل معها غبارا ليس غبار الصحراء، بل غبار جدران كان يحكي قصص عشاق وملوك. الأبواب الخشبية المطعمة بالصدف، التي ظلت صامدة أربعة قرون، لم تصمد أمام الصواعق التي لم تكن من صنع الطبيعة.

ومضى سؤال غريب في ذهني: هل للقصف إحداثيات خاصة تميز بين حجر يحكي وحجر يسكن؟ أم أن كل الحجارة متساوية في غباء المدافع؟ أما قصر كلستان في طهران، تحفة القاجاريين، فمراياه التي كانت تضاعف ضوء القناديل ألف مرة، تناثرت الآن كدموع زجاجية على أرضيات استقبلت سفارات العالم. قاعة المرايا التي لم تعرف كيف تبكي، ها هي اليوم تبكي بلسان الشظايا. كان هنا “عرش الطاووس” الذي جلبه المغول من الهند، فتحول هو الآخر إلى طاووس أحرقت ريشه نيران لم تأبه للقوائم الدولية.

سؤال يخترق صمت الأنقاض: هل من الممكن أن يصل التراث إلى نقطة تصبح فيها حمايته مستحيلة في زمن الحرب؟ أم أن حمايته هي بالضبط ما يمنح الحرب معنى مضادا؟ ثم كان الكنيس في بيت شيمش. شهود عيان قالوا إنه “طار”. ليس مجازا. طار حرفيا. انفجر من تحت أساساته فتحول إلى غيمة حجارة ثم إلى لا شيء. كنيس كان يؤرخ لوجود يمتد آلاف السنين، محي في ثوان. ليس كمن يمحو كتابا من على رف، بل كمن يمحو فصلا كاملا من رواية الإنسانية.

وفي الشمال، تخوم مدينة صور الفينيقية في لبنان، تلك التي علمت البحر كيف يكون ممرا لا سدا، اهتزت أسوارها القديمة. ليست الأسوار التي بناها الفينيقيون فقط، بل تلك التي أضافها الصليبيون ثم العثمانيون. أسوار تعاقبت عليها الحضارات كحلقات سوار واحد. اليوم، ثمة حلقة مفقودة. سؤال آخر: إذا كانت اتفاقية لاهاي لعام 1954 تنص على حماية الممتلكات الثقافية في النزاعات المسلحة، فلماذا نشعر أن هذه الاتفاقية تطبع على ورق لا يتحمل حرارة الانفجارات؟

اليونسكو نفسها تطلق تحذيراتها. قوائم تطول: من أرمينيا إلى اليمن، من سوريا إلى السعودية. “الدرع الأزرق” الذي يوصف بـ”الصليب الأحمر للتراث” يوضع شعاره على المتاحف. لكن السؤال الذي يبقى معلقا في الهواء المثقّل بالغبار: هل يمكن لشعار أن يوقف صاروخا؟

في باريس، في مبنى اليونسكو ذي الشكل النجمي، كانت الأسئلة تطاردني. طرحت أسئلتي على أصحاب الشأن هناك. أسئلة عن الإحداثيات التي تزود بها أطراف النزاع لحماية المواقع. أسئلة عن آليات الطوارئ. أسئلة عن “القائمة الحمراء للتراث المهدد” وهل هي كافية. الجواب؟ صمت. ليس صمتا جاهلا، بل صمتا مربكا. صمت من يعلم أن الكلمات قد لا تكفي، وأن البيروقراطية الدولية أبطأ من سرعة الصوت التي تفوق سرعة الصواريخ. صمت من يدرك أن التصفيق في قاعات المؤتمرات لا يوازي دوي الانفجارات.

سؤال يخلخل الفكر: هل أصبحت اليونسكو، بمؤتمراتها ولجانها، مثل طبيب يعطي مواعيد لمرضى في العناية المركزة؟ أم أن هناك شيئا أعمق: أن العالم قد صار، ببساطة، لا يسمع إلا صوت المدافع؟ لنتذكر. عام 2001، شهد العالم تمثالَي بوذا في باميان يتحولان إلى غبار تحت أنظار الكاميرات. كانت اليونسكو هناك. صرخت. ناشدت. كتبت تقارير. لكن الحجارة سقطت. بعدها، صارت هناك “قوائم عاجلة” وآليات “أسرع”. لكن السؤال: هل أصبحنا أسرع من القنابل؟

لنتذكر تدمر. عام 2015، داعش يحول قوس النصر الروماني إلى رماد. العالم بكى. اليونسكو عقدت مؤتمرات. تدفقت التبرعات لإعادة البناء. لكن سؤالا ظل قائما: هل نعيد بناء الحجر قبل أن نعيد بناء احترام الحجر؟ اليوم، الشرق الأوسط يحترق من جديد. وكل مرة، نكتشف أن ذاكرة العالم تتصاعد دخانا مع كل قصف. وكأننا في سباق مع النسيان، والنيران تسبقنا بخطوات. ربما لم تتجاوز الصواريخ اليونسكو. ربما اليونسكو لم تتجاوز نفسها بعد. ربما المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في غياب القلوب التي تخشى على التاريخ كما تخشى على أبنائها. ربما الحماية الحقيقية للتراث تبدأ ليس من قاعات فونتنوا، بل من عقل قائد الصواريخ قبل أن يطلقها.

لكن حتى ذلك الحين، تبقى الصورة مهيبة ومؤلمة: أصفهان تبكي وكلستان تتهاوى وبيت شيمش يطير وصور تهتز، وفي باريس، في مقر منظمة خلقت لتحمي ذاكرة البشر، لا يسمع سوى صمت ممتد كظل طويل عند الغروب. فهل الصواريخ تجاوزت اليونسكو؟ ربما السؤال الأكثر إزعاجا هو: هل تجاوزت قلوبنا قدرتها على الحزن على الحجر كما نحزن على البشر؟ لأن الحقيقة الوحيدة التي تهمس بها الأنقاض هي: عندما يموت التراث، نموت نحن مرتين. مرة عندما نسقط. ومرة عندما ننسى أننا سقطنا.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “الذاكرة تحترق: هل تجاوزت الصواريخ اليونسكو؟

  1. نصّك ليس مجرد وصف، بل إدانة صامتة بلغة شاعرية موجعة. أنت لا تتحدث عن حرب تُحصى بالضحايا، بل عن حرب تمحو المعنى نفسه—ذاكرة المكان، وهيبته، وتاريخه المتراكم في الحجر

  2. نص يفضح لغة الحرب التي لا تعرف سوى التشابه: الدمار ديموقراطي، لا تمييز فيه بين البشر والحجر او بين الجغرافيا وما عليها من تاريخ وذاكرة وحياة وبشر. هول الكارثة أخرست الألسن وأصداء التنظيمات الدولية. ليس هناك سوى الصمت يستمع بصوت الانفجارات الجهنمية. هكذا لسان حال العالم المعاصر: القوة والتقنية والسيطرة على مصادر الطاقة وممرات انتقالها الماءية، عالم لا مكان فيه للعقل والشعر، فقط الدمار ورائحة دخان الحرائق وبكاء الاطفال، هكذا هو اليومي الذي لا جديد فيه. الخراب، الدمار، النار، الغبار، الآهات، البكاء…هي لغة اليومي في المدن والقرى التي تشي باللمعى في هذا الزمن الضنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *