ماكرون بين صخب المدافع وهمس الدبلوماسية

بقلم زكية لعروسي, باريس

يطلّ إيمانويل ماكرون على إيقاع الصواريخ بخطاب ويحاول أن ينتشل السياسة من فم النار. لم يكن حديثه مجرد تعليق على حدث، بل بدا كمن يحاول أن يزرع شجرة حوار في أرض اعتادت أن تنبت فيها المتاريس. ففي الشرق الأوسط، حيث تتشابك الجغرافيا مع الذاكرة، وتتحول الحوادث الصغيرة إلى عواصف إقليمية، يدرك ماكرون أن الحرب لا تكتفي بابتلاع الجنود، بل تلتهم أيضا المعاني: معنى الدولة، ومعنى الأمن، وحتى معنى المستقبل. لذلك جاء خطابه أقرب إلى محاولة لإعادة الاعتبار للغة العقل في عصر يتكلم فيه الجميع بلهجة القوة.

غير أن المعضلة الكبرى لا تكمن في الكلمات التي تقال، بل في الآذان التي تستمع إليها. فالدبلوماسية تشبه سفينة من زجاج تعبر بحرا من الحديد؛ جميلة في فكرتها، لكنها مهددة في كل لحظة بالتحطم على صخور المصالح المتعارضة. ومن هنا يبرز التحدي الحقيقي أمام ماكرون: كيف يمكن إقناع الأطراف المتحاربة بأن السلام ليس استسلاما، وأن التهدئة ليست هزيمة، وأن المستقبل لا يبنى على ركام المدن؟ لقد حمل التصريح، في جوهره، اعترافا ضمنيا بأنّ المنطقة بلغت درجة من الإنهاك تجعل استمرار المواجهة نوعا من الانتحار الجماعي البطيء. فكلّ صاروخ جديد يضيف حجرا إلى جدار الكراهية، وكل هدنة مهدورة تؤجل فرصة نجاة قد لا تتكرر.

وإذا كانت السياسة غالبا فن إدارة الممكن، فإن خطاب ماكرون بدا محاولة للدفاع عن الممكن الأخير قبل أن يتحول إلى مستحيل. لقد خاطب العالم من نقطة تتقاطع فيها الأخلاق مع البراغماتية؛ فلا أحد يملك رفاهية حرب مفتوحة، ولا أحد يملك ترف تجاهل آثارها الاقتصادية والإنسانية والأمنية. وهكذا، وسط صخب التصريحات المتشددة، جاء صوته أشبه بمصباح صغير في ممرّ طويل من العتمة. قد لا يكون كافيا لتبديد الظلام كلّه، لكنّه يذكّر الجميع بأنّ اللّيل، مهما طال، لا يستطيع أن يلغي فكرة الفجر. تبقى قيمة أيّ تصريح سياسي مرهونة بقدرته على التحول من بلاغة إلى فعل، ومن أمنية إلى مسار. أمّا الكلمات وحدها، مهما كانت أنيقة، فليست سوى طيور جميلة إذا لم تجد سماء تحلق فيها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *