وداع برناديت شيراك بحضور الأميرة للا مريم

بقلم زكية لعروسي, باريس

في بعض الجنائز لا يشيَّع شخص واحد، بل يشيَّع زمن بأكمله. وفي باريس، تحت سماء حزيرية مثقلة بالذكريات، لم يكن المشيّعون يودعون برناديت شيراك فقط، بل كانوا يودعون صفحة كاملة من تاريخ فرنسا المعاصر؛ صفحة كتبتها امرأة عاشت دائما في الظل الظاهر، حيث لا يسرق الضوء من صاحبته بريقها، بل يمنحها قدرة نادرة على التأثير دون ضجيج. داخل بازيليك سانت-كلوتيلد، حيث امتزج صمت الحجر العتيق بخشوع الحاضرين، كانت الأميرة للا مريم تمثل الملك محمد السادس في لحظة حملت من الرمزية أكثر مما حملت من البروتوكول. فالعلاقات بين الأمم لا تبنى فقط بالمعاهدات والزيارات الرسمية، بل أيضا بتلك الروابط الإنسانية التي تنجو من تقلبات السياسة وتستمر عبر الزمن.

كان حضور الأميرة للاّ مريم في هذا الوداع الباريسي الهادئ بمثابة تذكير بأن بعض الصداقات بين الشعوب تكتسب مع مرور السنوات بعدا إنسانيا يتجاوز الحسابات الدبلوماسية العابرة. رحلت برناديت شيراك، لكن اسمها لم يكن يوما مجرد اسم زوجة رئيس فرنسي. لقد كانت ظاهرة سياسية واجتماعية خاصة داخل الحياة العامة الفرنسية. عرفها الفرنسيون أولا بصفتها زوجة الرئيس الراحل جاك شيراك، أحد أبرز رؤساء الجمهورية الخامسة وأكثرهم حضوراً في الذاكرة الجماعية الفرنسية. غير أن برناديت نجحت في ما يفشل فيه كثيرون ممن يعيشون بالقرب من السلطة: أن تصنع لنفسها هوية مستقلة لا تختبئ خلف شهرة الزوج ولا تذوب فيها.

كانت تدرك أن القوة الحقيقية لا تكمن دائما في المنصب. أحيانا تكمن في القدرة على تحويل التعاطف إلى مشروع وطني. ومن هنا ولدت أسطورة “السنتيمات الصفراء”. ذلك المشروع الإنساني الذي بدأ بسيطا ومتواضعا، قبل أن يتحول إلى واحدة من أشهر المبادرات التضامنية في فرنسا. ملايين القطع النقدية الصغيرة التي كان الناس يلقونها في الصناديق لم تكن مجرد أموال، بل كانت إعلانا جماعيا عن أن الرحمة يمكن أن تتحول إلى مؤسسة، وأن العمل الخيري يمكن أن يصبح ثقافة وطنية. لقد فهمت برناديت شيراك شيئا بالغ الأهمية: أن المجتمعاتتكمن في طريقة معاملتها لأطفالها الأكثر هشاشة. ولهذا التصق اسمها لعقود طويلة بتلك “السنتيمات الصفراء” التي بدت صغيرة في حجمها، لكنها كانت كبيرة في معناها. وكأنها كانت تقول لفرنسا إن الحضارة تبدأ من التفاصيل التي لا يلتفت إليها أحد.

لكن خلف صورة السيدة الأولى، وخلف النشاط الإنساني، كانت هناك أيضاً قصة وفاء نادرة. لقد عاشت برناديت إلى جانب جاك شيراك خلال عقود من الصعود السياسي والانتصارات والخيبات والمعارك الانتخابية والتحولات الكبرى التي عرفتها فرنسا والعالم. كانت شاهدة على زمن انتقلت فيه فرنسا من نهاية الحرب الباردة إلى العولمة، ومن الجمهورية التقليدية إلى العصر الرقمي. وكانت في كل ذلك حاضرة بصمت الذين يفهمون أن التاريخ لا يصنعه فقط من يقفون على المنصات، بل أيضا من يمنحونهم القدرة على الاستمرار. وحين رحل جاك شيراك قبل سنوات، بدا للكثيرين وكأن جزءا من روح الجمهورية الفرنسية القديمة قد غادر معها. واليوم، برحيل برناديت، يطوى فصل آخر من تلك المرحلة التي شكلت وجدان أجيال كاملة من الفرنسيين.

غير أن المشهد حمل بعدا مغربيا مؤثرا كذلك. فالمغرب لم ينس أبدا المودة الخاصة التي ربطت الرئيس الراحل جاك شيراك بالمملكة. كانت علاقة تجاوزت الدبلوماسية التقليدية نحو صداقة إنسانية حقيقية، انعكست في مواقف كثيرة وفي تقدير متبادل استمر لعقود. ولهذا لم يكن مستغربا أن يبعث الملك محمد السادس برقية تعزية مؤثرة إلى كلود شيراك، مستحضرا مكانة الراحلة وذكرى زوجها الذي ظل ينظر إليه في المغرب باعتباره صديقاً وفياً للمملكة وشعبها. وفي هذا السياق، اكتسب حضور الأميرة للا مريم دلالة خاصة. فهي لم تكن تمثل مؤسسة ملكية فقط، بل كانت تمثل أيضا ذاكرة مشتركة من الاحترام المتبادل بين أسرتين وشعبين ودولتين. إن مثل هذه اللحظات تكشف أن العلاقات الدولية ليست دائما سردية مصالح واستراتيجيات فقط، بل هي أيضا سردية مشاعر ووفاء وذكريات متراكمة.

وعندما غادرت الجموع الكنيسة بعد انتهاء المراسم، بقي شيء من الحزن معلقا في هواء باريس. ليس لأن امرأة رحلت فحسب. بل لأن جيلا كاملا من الشخصيات التي أعطت للحياة العامة معنى خاصاً يغادر تباعا. ومع ذلك، فإن بعض الناس لا يرحلون تماما. يبقون في المؤسسات التي أسسوها. في القيم التي دافعوا عنها. في القصص التي تروى عنهم. وفي الابتسامات التي زرعوها في حياة الآخرين. هكذا ستبقى برناديت شيراك. ليس فقط زوجة رئيس سابق. ولا مجرد وجه مألوف في الصور الرسمية. بل امرأة نجحت في أن تجعل من التعاطف مشروعا وطنيا، ومن الوفاء أسلوب حياة، ومن الحضور الهادئ قوة لا تحتاج إلى ضجيج كي ترى. وفي ذلك ربما يكمن الخلود الحقيقي.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *