يوسف خرجة والفكاهي صويلح… شبه يربك العين

ضمن سلسلة: ويخلق من الشبه أربعين

بقلم: عبد الله شوكا, كاتب وصحافي-المغرب

يقال في المأثور الشعبي: “ويخلق من الشبه أربعين.” وهي عبارة تختزل حقيقة إنسانية طالما حيّرت الناس؛ فكم من وجهين تظنهما لوهلة صورة واحدة، فإذا بالأقدار ترسم لكل واحد منهما طريقا مختلفا، وحياة لا تشبه الأخرى إلا في ملامح الوجه. فالتشابه في الخِلقة قد يخدع العين، لكنه لا يستطيع أن يبدل الطباع، ولا أن يوحد المواهب، ولا أن يختصر المسافات التي يصنعها الاجتهاد والاختيار.ومنذ أن أطل الفكاهي صويلح على الجمهور المغربي عبر برنامج «كوميديا»، استطاع أن يشق لنفسه مكانة خاصة بين عشاق الفكاهة، بفضل حضوره العفوي، وخفة ظله، وقدرته على التقاط التفاصيل اليومية وتحويلها إلى مواقف ساخرة، يضحك منها الجمهور لأنه يرى فيها شيئا من حياته. لم يكن يعتمد على الصراخ أو المبالغة، بقدر ما كان يراهن على الكلمة الذكية، والإيقاع المتزن، وتلك الابتسامة التي تسبق الضحكة بثوان.

غير أن من يتابع صويلح فوق الخشبة، قد يجد نفسه، دون سابق إنذار، منشغلا بسؤال آخر لا علاقة له بالفكاهة. فملامح الرجل، وطريقة وقوفه أحيانا، وبعض تفاصيل وجهه، تستدعي إلى الذاكرة وجها رياضيا مألوفا، حتى تكاد الذاكرة البصرية تهمس لصاحبها: لقد رأيت هذا الوجه من قبل. وبعد لحظات من البحث في أرشيف الوجوه، تتضح الصورة؛ إنّ الأمر يتعلق بلاعب المنتخب الوطني المغربي السابق يوسف خرجة، أحد أبرز الأسماء التي حملت قميص “أسود الأطلس”، وقاد المنتخب في محطات كروية مهمة، وترك بصمته في الملاعب المغربية والأوروبية بفضل رؤيته الفنية وروحه القتالية.

هنا تتجلى مفارقة الشبه الجميلة؛ فالعين تكاد تجمع بين الرجلين، بينما الحياة تفرقهما. أحدهما اختار الخشبة، فكان ملعبه الضحكة، وجمهوره عشاق الكوميديا، وسلاحه الكلمة الساخرة والإيماءة الذكية. والآخر اختار المستطيل الأخضر، فجعل من الكرة لغته، ومن التمريرة الدقيقة عنوانا لإبداعه، ومن الدفاع عن ألوان المنتخب الوطني رسالة حملها بكل جدية ونكران للذات. إنّه تشابه يخص الملامح، لا المصائر؛ فلكل واحد منهما بصمته الخاصة، ومسيرته التي صنعها بموهبته واجتهاده. وإذا كان صويلح قد نجح في تسجيل أهدافه في شباك الهموم، وانتزع الضحكات من قلوب جمهوره، فإن يوسف خرجة سجّل أهدافا من نوع آخر، حين ساهم في رسم أفراح الجماهير المغربية فوق المستطيل الأخضر.

وهكذا تؤكد الحياة مرة أخرى أن الوجوه قد تتشابه حتى تكاد تخدع الأبصار، لكن المواهب لا تستعير وجوه غيرها، والإبداع لا يعترف إلا بأصحابه. فبين صويلح ويوسف خرجة، قد تقف العين مترددة أمام الشبه، غير أن الذاكرة لا تلبث أن تمنح كل واحد منهما مكانه الذي استحقه بموهبته، فيبقى الأول نجمًا في سماء الكوميديا، والثاني اسمًا محفورًا في ذاكرة الكرة المغربية. ولعل هذه هي أجمل مفارقات الحياة؛ أن تمنح شخصين ملامح متقاربة، ثم تترك لكل واحد منهما أن يكتب حكايته الخاصة، بطريقته، وفي الميدان الذي اختاره، ليظل الشبه مجرد مصادفة جميلة… أما التميز، فهو قرار يصنعه الإنسان بنفسه.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *