يوم دبّر عبد الكريم لسعة عقرب لبوشعيب

الحلقة الأولى من حكايات وطرائف عاشها البدو, إعداد: عبد الله شوكا, كاتب وصحافي-المغرب)

للبادية فلسفة لا تدرَّس في الجامعات، ولا تكتب في دفاتر الحكماء، وإنما تحفظها الذاكرة كما تحفظ الأرض آثار المطر. ففيها من الطرائف ما يضحك حتى تدمع العين، وفيها من النوادر ما يجعل المرء يقول: “سبحان من جعل العقول درجات!” ومن رجال القبيلة من اشتهروا بالكرم، ومنهم من عُرفوا بالفروسية، ومنهم من ذاع صيتهم بالحكمة، أما عبد الكريم فقد اختصه الله بموهبة عجيبة؛ كان إذا اجتمع الناس على أمر جاد، بحث هو عن مدخل للمقالب، حتى ليخيل للناظر أن الشيطان، إذا أراد أن يستريح يوما، أوكل إليه مهمة الإغواء على سبيل المزاح. وكان ذلك في سبعينيات القرن الماضي، حين كان شهر غشت يصب ناره على سهول الرحامنة، حتى لتكاد الحجارة تلتمس الظل، وتلوذ السحالي بجحورها، ولا يخرج إلى الشمس في الظهيرة إلا فلاح لا يعرف غير العمل، أو مجنون خاصم الحر.

في ذلك اليوم، جمع العمل بين عبد الكريم وصاحبه بوشعيب، الرجل الهادئ الذي لا يعرف من الدنيا إلا رزقه، ولا من الناس إلا حسن الظن بهم، وهي خصلة جميلة… إلا إذا كان جارك عبد الكريم! كانت الكاعة قد امتلأت بأكوام السنابل، وربطت الدواب بعضها إلى بعض، تدور في حلقات لا تنتهي، تدوس السنابل لتفصل الحب عن التبن، في مشهد كان عنوانا لمواسم الخير، يوم كانت السماء أوفى بمواعيدها، وكانت الأرض تجود قبل أن تعرف الأسمدة الكيماوية معنى الكرم.

كان الرجلان يتناوبان العمل؛ هذا يقود الدواب، وذاك يدفع السنابل بقدميه الحافيتين تحت حوافرها، إذ لم يكن من أدب أهل البادية أن تطأ الأقدام المنتعلة زرعا يرجى منه القوت. وبينما كان كل شيء يسير على سنة الفلاحين، خرج من بين السنابل ضيف لم يكن مدعوًا إلى موسم الدرس: عقرب أسود، يرفع شوكته في كبرياء، كأنه قائد جيش يتفقد جنوده. رآه عبد الكريم…ورأى معه فرصة لا تتكرر. ولو كان صاحبنا من أهل الحكمة لصاح: “انتبه يا بوشعيب!”، أو تناول عصا وقتل العقرب، أو أبعده عن مكان العمل. لكن عبد الكريم لم يكن يومها يفكر بعقل الفقيه، ولا بقلب الصديق، بل بعقل صاحب مقلب يرى الدنيا كلها مسرحا، والناس ممثلين لا يعلمون أنهم يؤدون أدوارهم.

اختفى العقرب بين كومة من السنابل، فأشار عبد الكريم إلى بوشعيب، وقال له في براءة يحسد عليها:

– “ادفع هذه الكومة… لقد تعطلت الدرسة.”

وما كان بوشعيب ليشك في رجل يعمل معه منذ الصباح، فانطلق يدفع السنابل بقدميه الحافيتين… ولم تمض إلا لحظة، حتى ارتفع صراخه في فضاء الكاعة، صراخا لو سمعته الجبال لتحركت من أماكنها. فقد وجد العقرب قدما ألين من التراب، فغرس فيها شوكته، ثم مضى كأنه أدى واجبه الوطني! أما بوشعيب، فتقلب على الأرض من شدة الألم، يصرخ ويستغيث، بينما كانت الظهيرة قد حبست الناس في بيوتهم، مستسلمين لقيلولة لا يوقظهم منها إلا أذان العصر أو رائحة الخبز.

والأعجب من لسعة العقرب، أن عبد الكريم لم يقطع دوران الدواب، ولم يوقف الدرسة، بل ظل يديرها في هدوء، كأن الذي يتلوى أمامه ممثل بارع يتدرب على مشهد مسرحي! ولما اشتد الألم، حمل بعض أهل الدوار بوشعيب إلى القرية، حيث كانت وسائل العلاج يومئذ بسيطة؛ قليل من الأعشاب، وكثير من الدعاء، ثم مجلس الفقيه الذي يتلو ما تيسر من القرآن، طلبا للشفاء، في زمن لم تكن فيه المراكز الصحية قريبة، ولا الأمصال المضادة لسموم العقارب متاحة كما هي اليوم.

ولم يطل الأمر حتى انكشف السر، وعرف أهل الدوار أن العقرب لم يختر ضحيته وحده، وإنما وجد من دلّه عليها، فاستنكر الجميع صنيع عبد الكريم، وعدّوه مزحة تجاوزت حدود الدعابة إلى تهور كان يمكن أن تكون عواقبه وخيمة. وهكذا بقيت الحكاية تتناقلها المجالس جيلاً بعد جيل، لا لتعليم الناس كيف يدبرون المقالب، بل لتذكيرهم بأن بين النكتة والحماقة شعرة رقيقة؛ فإذا انقطعت، ضحك الناس من صاحب المقلب أولا، ثم قالوا في آخر المجلس: “رحم الله زمنا كانت فيه الطرفة تحكى… ولا تقلَّد.”

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *