بقلم زكية لعروسي, باريس
في لحظة بدت كأنها انشقاق نادر في جدار الزمن الجيوسياسي السميك، وكأن القرن الحادي والعشرين قد توقف برهة ليراجع خرائطه المرتجفة فوق موائد القوى العظمى، أطلّ خبر توقيع بروتوكول التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بوصفه حدثا يتجاوز حدود الوثيقة السياسية إلى مرتبة التحول الرمزي في بنية الشرق الأوسط المضطربة. لم يكن الأمر مجرد تبادل للتواقيع بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عبر مسافة تفصل بين عاصمتين ومشروعين تاريخيين متنازعين، بل بدا وكأنه محاولة لإعادة كتابة قواعد الاشتباك التي حكمت المنطقة لعقود طويلة، منذ أن تحولت مياه الخليج ومرتفعات زاغروس وصحارى الجزيرة وسواحل المتوسط إلى مسرح دائم لتزاحم الإمبراطوريات الحديثة وأشباح الإمبراطوريات القديمة.
في المشهد الظاهر، تبدو الصورة بسيطة: اتفاق أولي، احتفال مرتقب في سويسرا، مهلة تمتدّ لشهرين من المفاوضات، ووعود بفتح نافذة نحو تهدئة أوسع قد تشمل ملفات متشابكة تتجاوز العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران. لكن تحت هذه الطبقات المرئية من الحدث، تتحرك تيارات أكثر عمقا وتعقيدا، أشبه بأنهار جوفية لا تراها العين المجردة، فيما هي تعيد تشكيل تضاريس القارة السياسية بأكملها. لقد دخل الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة مرحلة إنهاك استراتيجي شامل. فالحروب لم تعد تنتج انتصارات حاسمة، والعقوبات لم تعد قادرة وحدها على إخضاع الخصوم، والتحالفات التقليدية باتت تتعرض لاختبارات قاسية أمام تحولات الاقتصاد العالمي وصعود قوى آسيوية جديدة وتراجع اليقين الذي ساد النظام الدولي بعد الحرب الباردة. وفي هذا السياق، يبدو الاتفاق وكأنه اعتراف متبادل من الخصمين بأن كلفة الاستمرار في دوامة التصعيد أصبحت أثقل من كلفة الجلوس إلى طاولة الحسابات الباردة.

من منظور واشنطن، لا يتعلق الأمر فقط بإيران كدولة أو ببرنامجها النّووي أو بنفوذها الإقليمي، بل بإعادة ترتيب الأولويات الكبرى للإستراتيجية الأميركية. فالعالم الذي تنظر إليه الولايات المتحدة اليوم لم يعد العالم نفسه الذي تشكلت فيه عقيدة الهيمنة المطلقة. هناك منافسات كبرى تتسارع في المحيطين الهندي والهادئ، وهناك سباق تكنولوجي واقتصادي يستهلك قدرا هائلا من الموارد السياسية والعسكرية. ومن ثم فإن تخفيف بؤر الاشتعال في الشرق الأوسط يغدو جزءا من عملية إعادة توزيع للانتباه الإمبراطوري، لا مجرد خطوة دبلوماسية معزولة. أما بالنسبة لإيران، فإن المشهد لا يقل تعقيدا. فالجمهورية الإسلامية تقف عند مفترق بالغ الحساسية بين ضرورات الحفاظ على سرديتها الثورية التقليدية ومتطلبات الانخراط في واقع اقتصادي واجتماعي يزداد ضغطا يوما بعد يوم. وبينما راكمت طهران نفوذا إقليميا واسعا عبر شبكة معقدة من العلاقات والتحالفات، فإنها تدرك أيضا أن تحويل النفوذ العسكري إلى مكاسب تنموية مستدامة يحتاج إلى بيئة أقل اضطرابا وأكثر قابلية للتنبؤ. ولذلك يمكن قراءة الاتفاق بوصفه محاولة لإدارة القوة لا للتخلي عنها، ولتحويل بعض عناصر الصراع إلى أوراق تفاوض بدلا من إبقائها وقودا دائما للمواجهة.
غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا التطور هو اتساع مظلته لتشمل ملفات إقليمية متعددة، وعلى رأسها الساحة اللبنانية التي تحولت خلال العقود الماضية إلى مرآة مكبرة للصراعات الشرق أوسطية. فلبنان ليس مجرد دولة صغيرة على شاطئ المتوسط، بل عقدة رمزية واستراتيجية تتقاطع عندها خطوط النفوذ الإقليمي والدولي. ولذلك فإن إدراج الملف اللبناني ضمن أفق التفاهم المحتمل يشير إلى إدراك متزايد بأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر معالجة الملفات بصورة منفصلة، بل من خلال رؤية شبكية تدرك ترابط الأزمات وتشابكها العضوي. ومع ذلك، فإن الطريق نحو التهدئة لا يزال محفوفا بالضباب والاحتمالات المتناقضة. فبينما تتبادل العواصم الكبرى إشارات الانفراج، لا تزال الجبهات الميدانية تحتفظ بمنطقها الخاص الذي كثيرا ما خالف حسابات الدبلوماسيين. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: إذ يمكن للسلام أن يولد في قاعات التفاوض فيما تستمر أصوات المدافع في رسم خرائط مختلفة على الأرض. ولهذا فإن التوتر القائم بين إسرائيل وحزب الله يظل تذكيرا صارخا بأن المنطقة لم تغادر بعد مرحلة الخطر، وأن أي تفاهم سياسي يحتاج إلى ترجمة عملية معقدة تتجاوز لغة البيانات والاحتفالات.

إن الشرق الأوسط يشبه في هذه اللحظة سفينة هائلة تعبر بحرا تغطيه طبقات كثيفة من الضباب. بعض الركاب يرون في الأفق ملامح ميناء آمن، فيما يعتقد آخرون أنهم يقتربون من عاصفة جديدة. وبين الرؤيتين تتأرجح المنطقة فوق أمواج من الشكوك والتوقعات المتضاربة. لكن المؤكد أن توقيع هذا البروتوكول، بما يحمله من رمزية سياسية وثقل استراتيجي، قد فتح بابا كان مغلقا منذ زمن طويل، وأعاد إلى المشهد الدولي سؤالا قديما متجددا: هل تستطيع القوى المتنافسة أن تنتقل من إدارة الصراع إلى إدارة التوازن؟ قد لا تأتي الإجابة سريعة، وقد لا تكون حاسمة كما يتمنى المتفائلون أو كما يخشى المتشائمون. غير أن مجرد حدوث هذا التقارب في لحظة بلغت فيها المنطقة حافة الإنهاك الشامل يمنحه قيمة تتجاوز نصوص الاتفاق نفسها. إنه حدث يختبر حدود الممكن السياسي في زمن تتكاثر فيه الحروب وتتآكل فيه اليقينات. ومن هذه الزاوية تحديدا، يبدو الشرق الأوسط وكأنه يقف أمام مرآة تاريخية ضخمة، يتأمل فيها صورته المتعبة، محاولا أن يقرر ما إذا كان سيواصل السير في دهاليز المواجهة المظلمة أم سيجرؤ أخيرا على عبور الجسر الهش الذي يصل بين الصراع والتسوية.
📲 Partager sur WhatsApp