العلاقة الجديدة بين المسافر والسوق الرقمية

بقلم زكية لعروسي, باريس

في العصر الذي تحولت فيه شاشة الهاتف إلى وكالة أسفار كونية، وصار إصبع الإنسان يعبر القارات أسرع مما كانت تعبرها القوافل والأساطيل والإمبراطوريات، لم يعد السفر مجرد انتقال جغرافي من مدينة إلى أخرى، بل أصبح صناعة رقمية عملاقة تتشابك فيها الخوارزميات مع الأسواق المالية، وتتقاطع فيها شركات الطيران مع منصات الحجز والبنوك وشركات التأمين وصناديق الاستثمار العابرة للقارات. وفي قلب هذا العالم المتشابك، قررت بروكسل أن تفتح ورشة تشريعية جديدة لا تبدو للوهلة الأولى سوى تحديث تقني لقواعد السفر، لكنها في الحقيقة تعكس تحولا أعمق في فلسفة الاقتصاد الأوروبي وفي طبيعة العلاقة بين المواطن والسوق الرقمية.

لقد أصبح المسافر المعاصر كائنا إلكترونيا قبل أن يكون سائحا. بضغطة واحدة يشتري تذكرة طيران، وبضغطة ثانية يحجز فندقا، وبثالثة يستأجر سيارة، وبالرابعة يشتري تأمينا صحيا. كل شيء يبدو متدفقا بسلاسة ساحرة، كأن العالم قد تحول إلى خريطة مضيئة داخل راحة اليد. لكن خلف هذه الواجهة اللامعة كانت تختبئ مناطق رمادية قانونية واسعة، أشبه بمتاهات زجاجية لا يراها المسافر إلا عندما تقع الكارثة. كان المسافر يعتقد أنه اشترى رحلة متكاملة، بينما كان القانون يرى أحيانا أنه اشترى خدمات منفصلة. وكان يظن أن شركة الحجز مسؤولة عن كامل التجربة، فيما كانت المنصات الرقمية تعتبر نفسها مجرد وسيط تقني. وهكذا، عندما تلغى رحلة جوية أو ينهار فندق ماليا أو تفلس شركة منظمة للرحلات، يجد المستهلك نفسه معلقا في فراغ قانوني، يتنقل بين الشركات كما يتنقل بحار ضائع بين جزر متباعدة وسط ضباب كثيف.

من هنا جاءت مراجعة الاتحاد الأوروبي لتوجيه “الرحلات المجمعة”، ليس باعتبارها مجرد تعديل إداري، بل باعتبارها محاولة لإعادة رسم حدود المسؤولية داخل الاقتصاد الرقمي. فبروكسل تدرك أن القرن الحادي والعشرين لم يعد تحكمه المصانع وحدها، بل المنصات الإلكترونية العملاقة التي أصبحت تدير حياة مئات الملايين من الأوروبيين. الهدف المعلن بسيط: إذا اشترى المواطن الأوروبي رحلة تجمع بين الطيران والإقامة أو بين عدة خدمات سياحية مترابطة عبر منصة واحدة أو عبر سلسلة مترابطة من الحجوزات الإلكترونية، فيجب أن يتمتع بحماية أوضح وأقوى. أما الهدف غير المعلن فهو أكثر عمقا: إخضاع الاقتصاد الرقمي لمنطق السيادة القانونية الأوروبية ومنع الشركات من الاختباء خلف التعقيدات التقنية للتنصل من المسؤولية.

اقتصاديا، تكشف هذه الخطوة عن معركة هائلة تدور داخل القارة الأوروبية بين نموذجين. النموذج الأول يقوم على حرية السوق المطلقة وتقليص الأعباء التنظيمية على الشركات الرقمية. أما النموذج الثاني، الذي تميل إليه بروكسل بصورة متزايدة، فيقوم على مبدأ أن الابتكار لا يمكن أن يكون مبررا لتآكل حقوق المستهلكين. وبين هذين النموذجين يتشكل ما بات كثير من الخبراء يسمونه “الرأسمالية التنظيمية الأوروبية”. فالقطاع السياحي لم يعد مجرد فنادق وشواطئ وطائرات. إنه منظومة اقتصادية عالمية تقدر قيمتها بتريليونات اليوروهات، وتشارك فيها شركات تكنولوجيا ومنصات حجز عالمية ومؤسسات مالية واستثمارية ضخمة. وأي تعديل تشريعي أوروبي في هذا المجال لا يؤثر فقط على المسافرين داخل القارة، بل يمتد أثره إلى السوق العالمية بأكملها.

والأهم من ذلك أن التشريع الجديد يعكس تحولا فلسفيا في مفهوم الحماية الاقتصادية. ففي القرن العشرين كانت الدولة تحمي المواطن داخل حدودها الوطنية. أما اليوم فإن المستهلك يعيش داخل فضاءات رقمية عابرة للحدود، ولذلك أصبحت الحماية نفسها مطالبة بالعبور وراء الحدود. إنها محاولة لبناء سيادة قانونية أوروبية فوق فضاء اقتصادي لا يعترف أصلا بالحدود. وعندما ينظر المؤرخون مستقبلا إلى مثل هذه التشريعات، قد لا يرون فيها مجرد قواعد تخص إلغاء الرحلات أو إفلاس الفنادق. بل ربما يرون فيها علامات على ولادة مرحلة جديدة من العولمة المنظمة، مرحلة تسعى فيها الدول والقارات إلى استعادة جزء من السلطة التي انتقلت خلال العقود الماضية إلى المنصات الرقمية العملاقة.

وهكذا، بينما يعتقد المسافر الأوروبي أنه حصل فقط على ضمانات إضافية ضد إلغاء رحلة أو انهيار شركة سياحية، فإن ما يحدث في الحقيقة أكبر من ذلك بكثير. إنه فصل جديد في الصراع العالمي بين رأس المال الرقمي والسلطة التنظيمية، بين الأسواق العابرة للقارات والمؤسسات الديمقراطية، وبين عالم يتحرك بسرعة الضوء وقوانين تحاول اللحاق به قبل أن يبتلعها الزمن.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *