بقلم الإعلامي حيمري البشير كوبنهاغن – الدنمارك
«أحنُّ إلى خبز أمي، وقهوة أمي، ولمسة أمي»؛ كلمات خالدة صدح بها الشاعر الراحل محمود درويش وغنّاها مارسيل خليفة، فاستقرت في الوجدان وأصبحت تتردد في المواسم والمناسبات، لأنها كلمات خرجت من القلب فلامست القلوب. وأنا أردّدها كلّما سرحت بي الذاكرة إلى والدتي المرحومة رقية، تلك المرأة التي عانت المرض سنوات طويلة، وصبرت على الألم بصبر المؤمن المحتسب، حتى جاء يوم رحيلها المؤلم إلى جوار ربها. وما زلت إلى اليوم أذكرها عقب كل صلاة، وأرفع أكف الضراعة إلى الله أن يشملها برحمته الواسعة، جزاء ما عانته في حياتها من مشقة وما قدمته من تضحيات في سبيل أسرتها وأبنائها.
لقد كانت والدتي، رحمها الله، مثالا نادرا للمرأة الصالحة؛ محافظة على صلاتها، مواظبة على صيامها، متشبثة بتعاليم دينها الحنيف، محسنة إلى زوجها، رحيمة بجيرانها، محبة للخير، وعاشقة للحياة في طاعة الله وطلب مرضاته. ومن أعجب ما بقي راسخا في ذاكرتي أن إخوتها الثلاثة، المعروفين بالشدة والصرامة في تعاملاتهم، كانوا يجلّونها إجلالا عظيما، ويعاملونها معاملة الأم التي أنجبتهم، لما كانت تتمتع به من حكمة ووقار وسمو أخلاق. عاشت والدتي في ظروف مادية بسيطة، وكان دخل والدي، رحمه الله، محدودا، لكنها كانت تدبر شؤون البيت بحكمة واقتدار، متسلحة بصبر أيوب وقناعة المؤمن. لم تكن تنظر إلى زخارف الدنيا ولا إلى الذهب والحلي، ولم تشغلها المظاهر عن الجوهر، بل كانت ترى في الرضا بما قسم الله الغنى الحقيقي، وفي حسن الخلق الزينة الأجمل.
كانت قليلة الاختلاط، بعيدة عن اللغو والخصومات، منصرفة إلى ما ينفعها في دينها ودنياها، لا تلتفت إلا إلى من رأت فيهم خصال الخير والتقوى. وتمسكت بهذه القيم النبيلة حتى لقيت ربها، تاركة وراءها إرثا أخلاقيا عظيما وذرية صالحة نهلت من معين تربيتها، وتعلمت منها الطاعة والخلق الحسن والتقرب إلى الله تعالى. وأتذكر في هذا اليوم، وهو يوم خميس، حرصها الشديد على صيام يومي الإثنين والخميس، ابتغاء مرضاة الله عز وجل، وسعيا إلى تزكية النفس وتربية أبنائها وبناتها على مبادئ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. لقد غادرت هذه الدنيا مبكراً، لكنها رحلت محملة بأعمال الخير، وبسيرة عطرة تشهد لها بالإيمان والصبر والعطاء.
عاشت مطيعة لزوجها، مخلصة لأسرتها، متفانية في خدمة بيتها، ومربية فاضلة لأبنائها وبناتها، حتى لقيت ربها بقلب مؤمن ونفس مطمئنة، نسأل الله أن يتغمدها بواسع رحمته، وأن يجعل قبرها روضة من رياض الجنة، وأن يجزيها خير الجزاء على ما قدمت من خير وإحسان. اللهمّ اغفر لها وارحمها، وعافها واعف عنها، وأكرم نزلها، ووسع مدخلها، واجعلها من أهل الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. رحم الله والدتنا رقية رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته.
📲 Partager sur WhatsApp