بقلم زكية لعروسي, باريس
ثمة مآس لا تقاس بعدد الضحايا، بل بعدد الأسئلة التي تتركها معلقة في الهواء. وفاة رجل كفيف بعد سقوطه على سكة المترو في ليون ليست مجرد خبر عابر في صفحة الحوادث. إنها لحظة تكشف هشاشة العلاقة بين الإنسان والمدينة، بين الجسد المختلف والعالم الذي صمّم غالبا من أجل الآخرين. في الظاهر، تبدو الحادثة بسيطة وقاسية في آن واحد: رجل لم يتعرف إلى العلامات الأرضية المخصصة لتوجيه المكفوفين، فسقط حيث لا ينبغي أن يسقط أحد. لكن تحت هذا المشهد المأساوي تختبئ قصة أكبر بكثير. قصة الحضارة الحديثة نفسها.
لقد أمضت البشرية قرونا طويلة وهي تتحدث عن التقدم. بنت الجسور والأنفاق والقطارات فائقة السرعة والأبراج الذكية والخوارزميات القادرة على التنبؤ بالمستقبل. ومع ذلك، ما زال السؤال القديم يطاردها في صمت: هل تصبح المدينة متقدمة عندما تصبح أسرع؟ أم عندما تصبح أكثر إنسانية؟ كان الجاحظ، لو عاش بيننا اليوم، سيجد مادة لا تنضب للسخرية الحكيمة. سيكتب عن مدن تستطيع أن تنقل آلاف الأشخاص في دقائق، لكنها تعجز أحيانا عن ضمان عبور شخص واحد لا يرى. وسيسأل، بطريقته الماكرة: ما فائدة السرعة إذا كان بعض الناس لا يستطيعون الوصول إلى نقطة الانطلاق أصلا؟
إن الإعاقة ليست مجرد حالة جسدية. إنها مرآة أخلاقية للمجتمع. فالمدينة التي تصمَّم للأقوياء فقط لا تكشف ضعف ذوي الإعاقة، بل تكشف ضعف خيال مهندسيها. في الفلسفة السياسية الحديثة، كثيراً ما يجري الحديث عن الحقوق والحريات والمواطنة. لكن هناك اختباراً أكثر بساطة من كل الدساتير: كيف يتحرك الكفيف في الشارع؟ كيف يعبر الأصم الطريق؟ كيف يصعد صاحب الكرسي المتحرك إلى الحافلة؟ في هذه التفاصيل الصغيرة تختبئ حقيقة العدالة. ولعل المفارقة المؤلمة أن المجتمعات الحديثة أصبحت تتحدث عن الإدماج أكثر من أي وقت مضى، لكنها ما زالت تجد صعوبة في تحويل الخطاب إلى واقع كامل.

ففي فرنسا، وهي واحدة من أكثر الدول الأوروبية تقدما في سياسات الولوجية وإتاحة الفضاءات العامة، لا تزال الحوادث تكشف أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي دائما. إن البلاطات المخصصة للمكفوفين، والإشارات الصوتية، والتجهيزات الحديثة، كلها ضرورية. لكنها ليست ضمانا مطلقا. لأن المدينة ليست مجرد إسمنت وحديد. إنّها شبكة معقدة من الانتباه البشري. ومن هنا تأتي المعضلة. كلما أصبحت المدن أكثر آلية، ازدادت حاجتنا إلى الحس الإنساني. فالتقنية تخبرنا أين نقف. لكنها لا تستطيع دائما أن تحل محل عين المرافق أو انتباه المارة أو يقظة المجتمع كلّه. أما في المغرب، فالصورة أكثر تعقيدا.
لقد تحقق تقدم ملحوظ خلال السنوات الأخيرة في بعض المدن الكبرى. صارت هناك أرصفة أفضل، وبعض المرافق المهيأة، ومبادرات مدنية وجمعوية جديرة بالتقدير. لكن الحقيقة التي يعرفها كل كفيف مغربي تقريبا هي أن التنقل ما زال مغامرة يومية. فالطريق الذي يفترض أن يكون ممراً يتحول أحيانا إلى متاهة. الرصيف يصبح موقفا عشوائيا للدراجات. والممر يتحول إلى مساحة للتجارة غير المنظمة. والإشارة المرورية غالبا لا تتحدث إلى من لا يستطيع رؤيتها. وهكذا يجد الشخص في وضعية إعاقة نفسه مضطرا إلى تطوير مهارات بقاء أقرب إلى مهارات المستكشفين منها إلى حقوق المواطنين. وكما كانت أمي خيرة تقول: “الطريق لا يعرف من اتساعه، بل من أمان من يسير فيه.” كانت تتحدث عن طرق القرى الترابية، لكنها ربما كانت تصف فلسفة العمران كلّها. فالمدينة العادلة ليست تلك التي تبهر السائح. بل تلك التي لا ترعب الأضعف بين سكانها. إن الحادثة التي وقعت في ليون تطرح سؤالا أعمق من مجرد المسؤولية التقنية أو الإدارية. إنها تطرح سؤالا وجوديا: كيف يعيش الكفيف المدينة؟
نحن الذين نرى، نعتقد غالبا أن العالم يبنى بالعين. لكن الأدب العظيم يعلمنا العكس. كان خورخي لويس بورخيس، الذي عاش سنوات طويلة من حياته كفيفا، يرى أن العمى ليس ظلاما مطلقا بل طريقة مختلفة لقراءة العالم. وكان جون ميلتون يملي أعظم نصوصه بعدما فقد بصره. وكان طه حسين يقول إن المعرفة قادرة على فتح نوافذ لا تراها العين. لكن هؤلاء جميعا كانوا يعرفون أيضا أن البطولة الفردية لا يجب أن تكون بديلا عن العدالة الجماعية. ليس مطلوبا من الكفيف أن يكون بطلا كل صباح كي يصل إلى المترو. وليس مطلوبا من صاحب الإعاقة أن يخوض معركة يومية فقط ليعيش حياة عادية. هنا تكمن القضية السياسية الحقيقية. فالإعاقة ليست مشكلة الشخص المعاق. بل مشكلة البيئة التي تفشل في استيعاب اختلافه.
وكلّما تقدم المجتمع، انتقل السؤال من “كيف نساعد الأشخاص ذوي الإعاقة؟” إلى “لماذا ما زالت البنية العامة تنتج الإعاقة؟” إن الفرق بين المجتمع المتقدم والمجتمع المتأخر لا يُقاس فقط بعدد القطارات أو طول الطرق السريعة. بل بقدرة أضعف أفراده على استخدامها بأمان وكرامة. وربما لهذا السبب لا ينبغي أن يقرأ هذا الحادث باعتباره مأساة فردية فقط. بل بوصفه رسالة صامتة من رجل لم يعد بيننا، تذكرنا بأن الحضارة ليست ما نبنيه من حول الإنسان. الحضارة هي ما نفعله كي لا يسقط الإنسان بين ما بنيناه.
📲 Partager sur WhatsApp