المغرب كعقل أمني في القرن الحادي والعشرين

بقلم زكية لعروسي, باريس

اليوم، في عصر تتنقل فيه المعلومة أسرع من الريح، وتستطيع طائرة صغيرة بلا طيار أن تربك مدينة كاملة، تغيرت معايير القوة. لم يعد النفوذ الحقيقي بما تمتلكه من معرفة وقدرة على التوقع والتنسيق وبناء الثقة. وفي هذا التحول العميق تكمن الدلالة الحقيقية لحضور المغرب داخل منظومة تأمين كأس العالم 2026 إلى جانب القوى الأمنية الكبرى في العالم. قد يقرأ البعض الخبر باعتباره مجرد مشاركة تقنية لخبراء أمنيين داخل مركز دولي للتنسيق في ولاية فرجينيا الأمريكية. لكن القراءة السطحية تشبه النظر إلى قمة جبل جليدي دون رؤية الكتلة الهائلة المختبئة تحت الماء. فحين يشيد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي بدور المغرب، فإن المسألة تتجاوز المجاملة الدبلوماسية. إنها اعتراف ضمني بمسار طويل من بناء الكفاءة والمؤسسات والخبرة الميدانية التي جعلت المملكة شريكا موثوقا في أكثر الملفات حساسية وتعقيدا.

في عالم الأمن المعاصر، لا تمنح الثقة بسهولة. فالدول قد تتبادل المصالح، وقد تختلف في الرؤى السياسية، لكنها لا تتسامح مع الهشاشة عندما يتعلق الأمر بحماية ملايين البشر. ولهذا فإن وجود خبراء مغاربة من المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني داخل غرفة عمليات عالمية لتأمين حدث رياضي هو بمثابة شهادة دولية بأن المغرب لم يعد مجرد متلق للخبرة، بل أصبح مصدرا لها. لو كتب أحد كبار الروائيين الروس هذه القصة، لربما بدأها من الصحراء المغربية عند الفجر، حيث يمتد الأفق إلى ما لا نهاية، ثم انتقل فجأة إلى شاشات المراقبة العملاقة في أمريكا الشمالية، ليكشف أن الخيط الذي يربط المكانين ليس الجغرافيا، بل فكرة الدولة التي استثمرت لعقود في بناء رأس مال غير مرئي: الثقة الدولية.

فالنجاح الأمني الحقيقي يشبه الهواء. لا يراه الناس، لكنهم يشعرون بأهميته عندما يغيب. ملايين المشجعين الذين يتنقلون بين الملاعب لا يفكرون في غرف التحليل ولا في قواعد البيانات ولا في التنسيق الاستخباراتي. إنهم يرون المباراة فقط. لكن خلف تلك الصورة الاحتفالية تقف عقول تعمل بصمت كي يبقى العالم منشغلًا باللعبة لا بالخطر.

ومن زاوية فلسفية أعمق، فإن قصة المغرب هنا هي قصة انتقال من هامش التصورات التقليدية إلى مركز الفعل العالمي. لقرون طويلة، كانت بعض الحضارات تنظر إلى شعوب الجنوب بعين استعلائية، وكأن المعرفة والقدرة على التنظيم حكر على جغرافيا معينة. وقد أنتج التاريخ أشكالا متعددة من التمييز الحضاري والثقافي، حيث قسم العالم إلى مراكز وأطراف، وإلى من يملك الخبرة ومن يحتاج إليها. غير أن القرن الحادي والعشرين يعيد كتابة هذه الخرائط القديمة. فالقيمة الحقيقية لم تعد تحددها الأصول العرقية أو الموقع الجغرافي، بل الكفاءة. والدول التي تنجح في إنتاج المعرفة الأمنية والتكنولوجية والمؤسساتية تفرض احترامها بغض النظر عن حجمها أو موقعها. ومن هنا تأتي رمزية الحضور المغربي؛ إنه انتصار لفكرة العمل الطويل على الأحكام المسبقة.

كانت أمي خيرة تقول دائما: “منبع الما ما يعلن عن نفسه، الناس هم من يبحثون عنه حين يعطشون.” ولم أفهم يوما عمق هذه الحكمة كما أفهمها الآن. فالمغرب لم يصل إلى هذه المكانة عبر الضجيج، بل عبر تراكم هادئ للخبرة، وعبر سنوات من التعاون الدولي، وعبر بناء مؤسسات جعلت من الاحترافية لغة يومية لا شعارا مناسباتيا. ومن اللافت أن هذا الاعتراف الدولي يأتي في لحظة تتعزز فيها مكانة المغرب على أكثر من جبهة. فالدبلوماسية المغربية توسع شبكة دعمها الدولي، والشراكات الإفريقية تتعمق، والحضور الاقتصادي يتنامى، بينما يكتسب النموذج الأمني المغربي مزيدا من الاحترام داخل المنظمات الدولية. هذه العناصر ليست ملفات منفصلة، بل فصول من قصة واحدة عنوانها بناء دولة قادرة على تحويل موقعها الجغرافي إلى موقع استراتيجي.

إن الأمن في جوهره ليس مجرد مواجهة للتهديدات، بل فن إدارة المستقبل. وكلما ازدادت قدرة دولة ما على استشراف المخاطر والتنسيق مع شركائها، ازدادت قدرتها على التأثير في العالم. ولهذا فإن مشاركة المغرب في تأمين حدث كوني بحجم كأس العالم ليست تفصيلا بروتوكوليا، بل علامة على تحوّل أعمق في مكانة المملكة داخل النظام الدولي. وقد تنتهي البطولة، وتطفأ أضواء الملاعب، وتغادر الجماهير المدرجات، لكن ما سيبقى هو ذلك الرصيد غير المرئي من الثقة الذي لا يشترى ولا يفرض بالقوة. إنه يبنى بصبر الدول التي تعرف أن المجد الحقيقي لا يكمن في أن يراك العالم فقط، بل في أن يعتمد عليك عندما تصبح المسؤولية أكبر من الشعارات. وهكذا، بين جبال الأطلس وقاعات التنسيق الأمني العالمية، يواصل المغرب كتابة فصل جديد من قصته؛ قصة دولة أدركت أن النفوذ الحديث لا يولد من الصخب، بل من الكفاءة، وأن الاحترام الدولي ليس هدية من أحد، بل ثمرة عمل طويل يشبه زراعة شجرة لا يستظل بظلها إلا من عرف قيمة الزمن.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *