حين تقصف المدارس وتنجو الأحلام

بقلم زكية لعروسي, باريس

ثمة جرائم هي بحجم المستقبل الذي تقتله. وحين تقصف مدرسة، أو يحرم طفل من مقعده الدراسي، فإن المأساة لا تقع في لحظة الانفجار وحدها، بل تمتد سنوات طويلة إلى الأمام، كحجر ألقي في بحيرة الزمن فأرسل دوائر من الخسارة لا تتوقف عند حدود المكان ولا عند حدود الجيل الواحد. في عالم اليوم، حيث تتناسل الحروب كالأشواك في حدائق السياسة، وحيث تتشرد الملايين من الأسر بين الحدود والأسلاك والأسئلة المعلقة، تبدو المدرسة شيئا متواضعا للغاية: جدران، سبورة، كتب، وأصوات أطفال. لكن هذه الصورة البسيطة تخفي واحدة من أعظم المؤسسات التي ابتكرها الإنسان في تاريخه. فالمدرسة ليست مبنى، بل وعد. ليست غرفة دراسية، بل جسرا بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون.

حين نقرأ أن ملايين الأطفال اللاجئين ما زالوا محرومين من التعليم، وأن مئات المدارس تحولت إلى ملاجئ أو أهداف عسكرية، ندرك أننا لا نتحدث عن أزمة تربوية فقط، بل عن أزمة حضارية. لأن المجتمع الذي يسمح بانهيار المدرسة أثناء الحرب يشبه بحارا يحطم بوصلة سفينته وسط العاصفة ثم يتساءل لماذا ضاع الطريق. في الروايات الروسية الكبرى، كان الأطفال دائما أكثر الشخصيات قدرة على كشف الحقيقة. كانوا يرون ما يعجز الكبار عن رؤيته بسبب حساباتهم ومصالحهم وصراعاتهم. ولو كتب دوستويفسكي أو تولستوي عن أطفال المخيمات اليوم، لربما جعلهم يقفون وسط الركام حاملين دفاتر ممزقة، بينما يتجادل الكبار حول الخرائط والتحالفات والجغرافيا السياسية. لأن الطفل لا يفهم أسباب الحرب كلها، لكنه يفهم جيدًا معنى أن يُنتزع منه حقه في الحلم.

إن التعليم ليس خدمة اجتماعية إضافية يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الأزمات. إنه جزء من النجاة نفسها. فالخبز ينقذ الجسد ليوم واحد، أما المدرسة فتنقذ الروح لسنوات طويلة. واللاجئ الذي يفقد حقه في التعلم لا يخسر مادة دراسية فحسب، بل قد يخسر ثقته في المستقبل، وإحساسه بالانتماء، وقدرته على إعادة بناء حياته عندما تتوقف المدافع. ومن منظور فلسفي أعمق، فإن المدرسة تمثل انتصار العقل على الفوضى. كل درس يعطى في منطقة حرب هو شكل من أشكال المقاومة. وكل طفل يفتح كتابًا وسط النزوح هو إعلان هادئ بأن المستقبل لم يستسلم بعد. ولهذا تخاف الحروب من المدارس أكثر مما تخاف المدارس من الحروب. فالمعرفة دائمًا كانت العدو الطبيعي للعنف.

لقد عرفت الإنسانية عبر تاريخها الطويل أشكالا متعددة من التمييز والإقصاء. ففي حضارات كثيرة حرم الفقراء من التعلم، وحرمت النساء من القراءة، وحرم أبناء أعراق أو طوائف معينة من دخول المدارس. وكان التعليم دائما أحد خطوط المعركة الكبرى بين من يريد مجتمعا مغلقا ومن يريد مجتمعا مفتوحا. لذلك فإن حرمان الأطفال اللاجئين من التعليم ليس مجرد نتيجة جانبية للنزاعات، بل استمرار لصراع قديم بين المعرفة والتهميش. كانت أمي خيرة تقول: “إذا أغلقت باب المدرسة في وجه طفل، فتوقع أن يطرق بابك الجهل بعد سنوات.” ولم تكن تعرف الإحصاءات الدولية ولا تقارير الأمم المتحدة، لكنها كانت تدرك بحكمتها الفطرية ما تؤكده الدراسات الحديثة: أن الاستثمار في تعليم طفل واحد قد يمنع سلسلة كاملة من المآسي الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية.

والأكثر إثارة للتأمل أن المدرسة في أزمنة النزوح تؤدي وظائف تتجاوز التعليم نفسه. فهي تمنح الطفل إيقاعا يوميا وسط الفوضى، وشعورا بالاستقرار وسط التهجير، وأصدقاء وسط الوحدة، وأملا وسط الخوف. إنها ليست فقط مكانا لتعلم الرياضيات واللغات، بل مساحة لاستعادة الإحساس بالإنسانية. في مخيمات اللاجئين، يصبح دفتر التلميذ أثمن من ورقة عادية. إنه وثيقة مقاومة ضد النسيان. والكرسي المدرسي يتحول إلى إعلان صامت بأن الطفل ليس مجرد رقم في تقرير أممي، بل كائن يمتلك حقا أصيلا في أن يحلم ويخطط ويخطئ ويتعلم مثل أي طفل آخر على هذا الكوكب.

إن العالم الذي يستطيع إنفاق المليارات على أدوات الحرب ثم يتردد في تمويل تعليم الأطفال، يشبه رجلا يبني أسوارا هائلة حول بيته بينما يترك أساساته تتآكل ببطء. لأن الأمن الحقيقي لا يبدأ من الحدود فقط، بل يبدأ من الفصل الدراسي. والسلام الدائم لا يُصنع في غرف التفاوض وحدها، بل يصنع أيضا في المدارس التي تمنح الأجيال القادمة لغة الحوار بدل لغة الكراهية. ولهذا فإن الدفاع عن حق التعليم ليس عملا خيريا ولا ترفا أخلاقيا. إنه دفاع عن جوهر الحضارة نفسها. فحين تحمى مدرسة، لا يحمى مبنى؛ بل تحمى إمكانية المستقبل. وحين ينقذ كتاب من بين الأنقاض، لاتنقذ أوراق؛ بل ينقذ جزء من الإنسانية. وهكذا، وسط الحروب والنزوح والحدود المغلقة، تبقى المدرسة آخر قلعة هادئة تقاوم الخراب. وحين يدخل طفل لاجئ إلى فصل دراسي بعد شهور أو سنوات من الخوف، فإن العالم كله يربح معركة صغيرة ضد الظلام. وربما تكون هذه المعارك الصغيرة هي التي تصنع في النهاية الانتصارات الكبرى للإنسان.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *