بقلم زكية لعروسي, باريس
لم تكن الظهيرة في حي كوت-دي-نيج في مونتريال مختلفة عن آلاف الظهيرات التي عرفتها المدينة عبر تاريخها الحديث. كانت الشوارع تؤدي وظيفتها اليومية المعتادة، وكانت المقاهي والمتاجر والمنازل تتحرك داخل إيقاع الحياة الهادئ الذي اعتادت عليه واحدة من أكثر المدن الكندية تنوعا واستقرارا. ثم حدث ما يحدث أحياناً في المجتمعات الحديثة عندما تتقاطع لحظة فردية مضطربة مع فضاء جماعي مطمئن: دوّى الرصاص. لكن الخطأ الأكبر في قراءة ما جرى هو اختزال المأساة في عدد الضحايا أو في التسلسل الزمني للأحداث. فالعنف، حين ينفجر في قلب حي سكني مستقر، لا يكون مجرد حادث أمني، بل يصبح حدثا اجتماعيا ونفسيا يكشف طبقات عميقة من العلاقة بين الإنسان والدولة والمجتمع.
وفق المعطيات الأولية التي ظهرت خلال الساعات الأولى من التحقيق، واجهت السلطات وضعاً معقداً تطور بسرعة كبيرة، وانتهى بمقتل شرطي ومواطن والمشتبه به، إضافة إلى إصابة شرطية بجروح خطيرة. ومع استمرار التحقيقات، بقيت الأسئلة الجوهرية مطروحة أكثر من الإجابات: ماذا كان يدور في ذهن منفذ الهجوم؟ هل كان يتحرك وفق دوافع شخصية أم وفق تصور أيديولوجي؟ هل كان العنف هدفا بحد ذاته أم وسيلة لتحقيق غاية أخرى؟ في مثل هذه القضايا، يسبق الخيال أحياناً الوقائع. تمتلئ شبكات التواصل الاجتماعي بالتفسيرات الفورية، وتظهر نظريات جاهزة قبل أن تنتهي فرق التحقيق من جمع الأدلة الأساسية. غير أن التجربة الجنائية الحديثة تعلمنا أن أكثر الجرائم إثارة للصدمة تكون في كثير من الأحيان أقل بساطة مما تبدو عليه في الساعات الأولى.

إن أخطر ما كشفته الحادثة ليس فقط سقوط الضحايا، بل قدرة فرد واحد على تحويل حي كامل إلى مساحة خوف خلال دقائق معدودة. هذه الحقيقة تطرح سؤالا فلسفيا عميقا حول طبيعة الأمن في المجتمعات الحديثة. فنحن نعيش في عالم مليء بالكاميرات والأنظمة الذكية وأجهزة المراقبة المتطورة، ومع ذلك ما زالت لحظة عنف واحدة قادرة على شل مدينة بأكملها وإجبار السكان على الاحتماء داخل منازلهم. لقد اعتقدت الحداثة طويلا أن التقدم التقني سيقلص مساحة الخطر. لكن الوقائع المتكررة في مدن مختلفة حول العالم تشير إلى أن التكنولوجيا تستطيع إدارة المخاطر أكثر مما تستطيع إلغاءها. فالإنسان يبقى العنصر الأكثر تعقيدا في أي معادلة أمنية، لأنه يحمل داخله عالماً من الدوافع والانفعالات والاضطرابات التي لا تستطيع الخوارزميات التنبؤ بها دائما. وتكتسب هذه المأساة بعدا إضافيا بسبب مقتل رجل شرطة أثناء أداء واجبه. ففي الوعي الجماعي، يمثل الشرطي أكثر من موظف عمومي؛ إنه التجسيد العملي لفكرة الحماية التي توفرها الدولة. وعندما يسقط رجل الأمن في مواجهة مباشرة، يشعر المجتمع كله بأن العنف لم يستهدف فرداً فقط، بل اختبر قدرة المؤسسات نفسها على فرض النظام.

لكن من المهم أيضا تجنب الوقوع في فخ التهويل. فالمجتمعات تقاس بقدرتها على الاستجابة للجرائم. وما أظهرته السلطات الكندية خلال الساعات الحرجة من تعبئة أمنية واسعة، وإطلاق تحذيرات عامة، وإغلاق المناطق المهددة، يعكس جانبا آخر من القصة غالبا ما يضيع وسط صدمة الحدث: قدرة المؤسسات على التحرك تحت الضغط. وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالعنف يسعى دائماً إلى نشر الفوضى، بينما يكون الرد الحقيقي عليه في استعادة النظام. ليس عبر الخطابات الغاضبة أو الأحكام المتسرعة، بل عبر التحقيق الدقيق الذي يفصل بين الشائعات والحقائق. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الحادثة هو أنها وقعت في حي معروف بتنوعه الثقافي والديني والإنساني. وهذا يذكّرنا بأن المدن الكبرى ليست مجرد مبان وطرقات، بل شبكات معقدة من الثقة المتبادلة. وحين يحدث انفجار للعنف داخل هذه الشبكات، فإن الضرر النفسي قد يكون أوسع من الضرر المادي نفسه.
فالسكان الذين سمعوا صفارات الإنذار وشاهدوا الانتشار الأمني الكثيف لن يتذكروا فقط تفاصيل ذلك اليوم، بل سيتذكرون الشعور المفاجئ بأن المكان الذي اعتقدوا أنه مألوف وآمن يمكن أن يتحول في لحظة إلى مسرح للخطر. ومع تقدم التحقيقات ستظهر تفاصيل جديدة بلا شك. وقد تكشف الدوافع والخلفيات والمسار الذي قاد إلى هذه النهاية المأساوية. لكن هناك حقيقة أعمق ستبقى قائمة مهما كانت النتائج: العنف لا يبدأ لحظة إطلاق النار، بل يبدأ قبل ذلك بكثير داخل مساحات معتمة من العزلة أو التطرف أو الانهيار النفسي أو الغضب المتراكم. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه مونتريال اليوم ليس فقط كيف وقع الهجوم، بل كيف يمكن للمجتمعات الحديثة أن تكتشف مبكرا تلك الشقوق غير المرئية التي قد تتحول يوما إلى انفجار. فالمدن لا تخاف من الرصاص وحده، بل من المجهول الذي يسبقه. وما جرى في مونتريال يذكرنا بأن الأمن ليس حالة ثابتة، بل عملية يومية معقدة تقوم على اليقظة والثقة والقدرة المستمرة على حماية ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل الحياة الطبيعية عن الفوضى.
📲 Partager sur WhatsApp