الإمبراطورية التي تبحث عن نفسها

بقلم زكية لعروسي, باريس

في السياسة، لا تسقط الحكومات دائما تحت ضربات الخصوم؛ أحيانا تسقط تحت ثقل مراياها. وحين أعلن كير ستارمر، وفق هذا السيناريو السياسي المتداول، انسحابه من المسرح بعد أشهر من التآكل البطيء، بدا الأمر وكأن بريطانيا لا تعيش أزمة زعامة فحسب، بل أزمة زمن. فالدول العظمى تستطيع النجاة من الهزائم، لكنها ترتجف عندما تفقد إيقاعها الداخلي. لم يكن صعود آندي بيرنهام من ماكيرفيلد مجرد انتصار انتخابي. كان أشبه بظهور شخصية خرجت من هوامش الرواية لتطالب بامتلاك الكتاب كله. ففي اللحظة التي ظن فيها حزب العمال أنه بلغ ميناء السلطة بعد سنوات من التيه المحافظ، اكتشف أن الميناء نفسه يتحرك، وأن البحر الذي عبره قد تغيرت قوانينه. لقد أصبحت السياسة البريطانية خلال العقد الأخير مسرحا شكسبيريا فقد مؤلفه. ستة رؤساء وزراء في عشر سنوات ليسوا مجرد أسماء تتعاقب على باب داونينغ ستريت؛ إنهم أشباح تتبادل مفاتيح منزل يزداد تصدعا. وكل رئيس وزراء جديد يدخل القصر محاطا بأحلام الإصلاح، ثم يكتشف أن الجدران أقدم من وعوده، وأن الدولة الحديثة باتت آلة تلتهم من يقودها.

المشكلة ليست في ستارمر وحده، ولا في بيرنهام وحده، ولا حتى في فاراج الذي يطل من الأفق كظل طويل يزداد امتدادا كلما مالت شمس المؤسسة التقليدية نحو المغيب. المشكلة أعمق بكثير. لقد دخلت الديمقراطيات الغربية مرحلة يمكن تسميتها بـ”عصر نفاد الصبر الحضاري”. المواطن يريد نتائج فورية في عالم لم يعد ينتج إلا أزمات متراكمة. الحكومات تعد بالنمو بينماالاقتصاد العالمي يتحرك كحوت جريح. وتَعِد بإصلاح الخدمات العامة بينما الشيخوخة الديموغرافية تبتلع الموازنات. وتعد بالسيطرة على الهجرة بينما الحروب والمناخ والفوارق الاقتصادية تدفع ملايين البشر نحو الحدود. وهكذا يصبح السياسي أشبه بساحر طلب منه إيقاف المد والجزر بعصا خشبية.

إذا كان ستارمر يمثل محاولة إعادة حزب العمال إلى قلب المؤسسة، فإن بيرنهام يبدو وكأنه يعرض صفقة مختلفة: العودة إلى نوع من الواقعية الاجتماعية ذات الجذور المحلية. إنه ليس ثوريا بالمعنى الكلاسيكي، لكنه أيضا ليس تكنوقراطيا باردا. إنه ابن المدن الصناعية التي ما زالت تسمع صدى المصانع المغلقة في جدرانها. ولهذا فإن جاذبيته لا تأتي من الكاريزما وحدها، بل من قدرته على الحديث بلغة يشعر الناخب بأنها لم تصنع داخل مكاتب المستشارين السياسيين. غير أن المفارقة الكبرى تكمن هنا: فكل خطوة يتجه بها حزب العمال نحو استعادة ناخبيه التقليديين قد تدفع بعض ناخبي الوسط إلى القلق، وكل محاولة لاحتواء صعود Reform UK قد تمنح الحزب الشعبوي مزيدا من الأكسجين. إنها لعبة مرايا لا رابح فيها بسهولة.

في الطرف الآخر من المشهد، لا يظهر نايجل فاراج كسياسي فحسب، بل كعرض مستمر لأزمة الثقة. إنه يستثمر في شعور متنام بأن النخب التقليدية لم تعد تفهم المجتمع الذي تديره. والأخطر أن نجاحه لا يعتمد بالضرورة على تقديم حلول كاملة، بل على قدرته في تحويل الإحباط الشعبي إلى طاقة سياسية منظمة. هنا تصبح المعركة الحقيقية بين رؤيتين لبريطانيا: بريطانيا ترى خلاصها في إعادة توزيع الثروة وتجديد العقد الاجتماعي. وبريطانيا ترى خلاصها في التمرد على المؤسسات القائمة وإعادة تعريف الهوية الوطنية.

في لحظة يتصاعد فيها التوتر الدولي من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، لا تبدو أزمة القيادة البريطانية شأنا محليا. فالمملكة المتحدة ليست دولة أوروبية عادية. إنها قوة نووية، وعضو دائم في مجلس الأمن، وإحدى العقد الرئيسية في شبكة التحالف الغربي. لهذا فإن أي فراغ سياسي في لندن يشبه ارتجاجا في أحد الأعمدة الحاملة للنظام الدولي. ربما يكون السؤال الحقيقي أكبر من أسماء ستارمر وبيرنهام وفاراج. السؤال هو: ماذا يحدث لدولة اعتادت قيادة العالم عندما تصبح منشغلة بالبحث عن توازنها الداخلي؟ إن بريطانيا اليوم تبدو كسفينة عتيقة ما زالت تمتلك أقوى الخرائط، لكنها لم تعد واثقة من وجهتها. وفي الضباب الذي يلف بحر السياسة المعاصرة، يظهر آندي بيرنهام كربان محتمل، لا لأنه يملك كل الإجابات، بل لأن الركاب فقدوا ثقتهم بمن كانوا يمسكون بالدفة قبله. وقد يكون هذا، في النهاية، هو التعريف الأكثر دقة للسلطة في القرن الحادي والعشرين: ليست انتصارا للأفكار، بل إدارة للخوف من المجهول.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *