بقلم زكية لعروسي, باريس
في القرن الحادي والعشرين، أصبح الخطر أكثر مراوغة وأشد تعقيدا. لم يعد الإرهابي بحاجة إلى حقيبة مليئة بالنقود أو إلى مستودع ذخيرة ضخم كي يهدد الأمن الدولي؛ يكفي أحيانا هاتف ذكي، واتصال بالإنترنت، وشخص يمتلك معرفة تقنية أو مالية قادرة على عبور الحدود أسرع من أي جيش. لهذا السبب لا ينبغي النظر إلى العقوبات الأميركية التي استهدفت الفرنسي ميلود عبد الرحمن، المشتبه في تعاونه المالي مع تنظيم داعش ونقل خبرات ومعارف إلى عناصر مرتبطة به، باعتبارها مجرد إجراء إداري أو مالي. فالقضية، إن صحت الاتهامات الموجهة إليه، تكشف عن أحد أخطر التحولات التي شهدها الإرهاب المعاصر: الانتقال من اقتصاد السلاح إلى اقتصاد المعرفة.
لقد أدركت التنظيمات المتطرفة منذ سنوات أن المال وحده لا يصنع النفوذ. فالمال يمكن تعقبه ومصادرته وتجفيف منابعه. أما المعرفة، فهي أكثر سيولة من الأموال نفسها. يمكن أن تنتقل عبر رسالة مشفرة، أو ملف إلكتروني صغير، أو محادثة عابرة على تطبيق رقمي. ومن هنا تنبع الخطورة الحقيقية. في عالم داعش لم يكن المقاتل دائما هو العنصر الأكثر قيمة. ففي كثير من الأحيان كان الخبير التقني أو المالي أو اللوجستي أكثر أهمية من حامل السلاح. فالمعركة الحديثة لا تخاض فقط في الصحراء أو المدن المدمرة، بل أيضاً في الفضاء الإلكتروني، وفي شبكات التحويلات المالية غير الرسمية، وفي البيئات الرقمية المغلقة التي يصعب على أجهزة الأمن اختراقها. وإذا كانت الاتهامات الأميركية دقيقة، فإن ما يثير الانتباه ليس مجرد وجود علاقة مالية مزعومة مع أفراد مرتبطين بالتنظيم، بل الحديث عن نقل “خبرات” أو “معارف” إلى داعمين أو عناصر متطرفة. هنا ينتقل النقاش من مستوى التمويل إلى مستوى أخطر بكثير: هندسة القدرات. فالمال يمكن أن يشتري عملية واحدة، أما المعرفة فتخلق قدرة على تنفيذ عشرات العمليات. المال يُستهلك، بينما المعرفة تتكاثر. وهذه إحدى المفارقات الكبرى في عصرنا. فالعالم الذي جعل التعليم والتكنولوجيا أكثر انتشاراً من أي وقت مضى، خلق في الوقت ذاته إمكانية استغلال تلك الأدوات لأغراض مدمرة.
من الناحية الفلسفية، تعيد هذه القضية إحياء سؤال قديم حول حياد المعرفة. منذ عصر التنوير الأوروبي ساد الاعتقاد بأن المعرفة قوة تحرر الإنسان من الجهل والخوف والاستبداد. لكن التاريخ الحديث أثبت أن المعرفة ليست خيّرة بطبيعتها ولا شريرة بطبيعتها. إنها أداة. وما يحدّد قيمتها هو الجهة التي تستخدمها والغاية التي تستخدم من أجلها. لقد أنتج العلم الطاقة النووية التي تنير المدن، وأنتج أيضا القنبلة النووية. وأنتج الإنترنت الذي قرّب البشرية من بعضها البعض، لكنه وفر كذلك منصات للتجنيد والتطرف ونشر الكراهية. وفي هذا المعنى فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في العلاقة بين التكنولوجيا والإيديولوجيا. داعش كان من أوائل التنظيمات التي فهمت هذه الحقيقة بعمق. فعلى عكس الصورة النمطية التي تقدمه كتنظيم يعيش في الماضي، أظهر قدرة لافتة على استخدام أدوات الحداثة. استغل الشبكات الاجتماعية، وأنتج محتوى إعلاميا متطورا، واستفاد من العملات الرقمية والتحويلات المعقدة، وبنى شبكات تواصل عابرة للقارات. لقد كان تنظيما متطرفا في فكره، لكنه حديث للغاية في أدواته. ومن هنا نفهم لماذا أصبحت أجهزة الاستخبارات الغربية تركز بصورة متزايدة على ما يمكن تسميته “وسطاء المعرفة”. هؤلاء ليسوا بالضرورة قادة ميدانيين أو ممولين كبارا. أحيانا يكونون أفراداً يمتلكون مهارات تقنية أو مالية أو لوجستية تجعلهم مضاعفات قوة للتنظيمات المتطرفة. في الأدبيات الأمنية الحديثة يُنظر إلى مثل هؤلاء باعتبارهم عقدا استراتيجية داخل الشبكات الإرهابية. فإزالة مقاتل واحد قد لا تغير شيئا كبيرا، لكن إزالة شخص يمتلك القدرة على نقل المعرفة أو تنظيم التمويل أو بناء شبكات التواصل قد تؤدي إلى إضعاف البنية بأكملها.
ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر أمام الديمقراطيات الغربية لا يتمثل فقط في ملاحقة الأفراد، بل في المحافظة على التوازن بين الأمن والحرية. فكلما توسعت الرقابة المالية والرقمية ازدادت الحاجة إلى ضمانات قانونية تحمي الحقوق المدنية. وهنا تكمن معضلة العصر الحديث: كيف نحارب شبكات عابرة للحدود دون أن نحول المجتمعات الحرة إلى فضاءات مراقبة شاملة؟ لهذا فإن أهمية هذه القضية تتجاوز اسم الشخص المعني أو تفاصيل الاتهامات الموجهة إليه. إنها تكشف عن تحول أعمق في طبيعة التهديدات العالمية. فالإرهاب اليوم لم يعد يعتمد فقط على السلاح والمال، بل على تدفقات المعلومات والخبرات والعلاقات الرقمية. وفي النهاية، قد يكون الدرس الأهم أن أخطر ما يمكن أن يمتلكه متطرف في عصرنا ليس بندقية ولا حقيبة أموال، بل معرفة قابلة للنقل والتكاثر. فالرصاص يقتل أفرادا، أما المعرفة حين تقع في الأيدي الخطأ فقد تمنح العنف قدرة على إعادة إنتاج نفسه مرارا وتكرارا. ولذلك أصبحت المعركة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين معركة على العقول والشبكات والمعلومات، بقدر ما هي معركة على الأرض والحدود.
📲 Partager sur WhatsApp