بقلم زكية لعروسي, باريس
في الأوّل لم يكن للإنسان سوى الحلم. حلم قديم بقدم النار الأولى التي أشعلها الإنسان في ليل الكهوف. حلم أن يصنع امتدادا لعقله، مرآةً تفكر عنه، وظلا رقميا يرافقه عبر متاهات المعرفة. لكن الأحلام الكبرى، كما تخبرنا الأساطير، لا تأتي وحدها. فهي تحمل في جيوبها دائمًا بذور الوحش الذي قد يخرج يومًا من رحم المعجزة. اليوم، ونحن نقف على حافة عصر جديد، يبدو الذكاء الاصطناعي أشبه بمخلوق أسطوري خرج من مختبرات السيليكون كما خرج الجني من قمقمه. ليس لأنه شرير بالضرورة، بل لأنه تجاوز حدود الأدوات التقليدية. لقد أصبح كيانا قادرا على إعادة إنتاج اللغة والصورة والصوت والخيال نفسه. في هذا السياق، جاءت مبادرة الممثلة العالمية Cate Blanchett بإطلاق “سجل الموافقة البشرية” كإشارة ثقافية وسياسية عميقة، تتجاوز حماية صورة فنان أو صوت ممثل. إنها محاولة لإعادة رسم الحدود بين الإنسان وما يخلقه، بين الأصل والنسخة، بين الروح وانعكاسها الإلكتروني, وبين الوجه الذي لم يعد ملك صاحبه
لأول مرة في التاريخ، أصبح بإمكان آلة أن تستعير وجهك دون أن تراك. أن تتحدث بصوتك دون أن تنطق. أن تكتب بأسلوبك دون أن تمسك قلما. أن تحضر في مكان لم تطأه قدمك. لقد انهارت الحدود القديمة بين الوجود والتمثيل. لم تعد الصورة شهادة على الحقيقة، ولا الصوت دليلا على الحضور، ولا النص برهانا على صاحبه. وهنا تبدأ الأزمة الفلسفية الحقيقية. فالإنسان لم يعد يخشى فقط أن تستولي الآلات على الوظائف، بل أن تستولي على “الهوية” نفسها. من أنا إذا كان بالإمكان استنساخ وجهي؟ ومن أكون إذا استطاع برنامج أن يتحدث باسمي؟ وأين تنتهي شخصيتي إذا صار من الممكن إنتاج آلاف النسخ الرقمية مني؟ إنها أسئلة لم تطرحها الثورة الصناعية، ولا الكهرباء، ولا الإنترنت. إنها أسئلة تخص جوهر الكائن البشري ذاته.
خلال القرنين الماضيين كانت الآلات تستبدل العضلات. أما اليوم فهي تنافس العقول. المحاسب، الصحافي، المترجم، المصمم، المحامي، المبرمج، الممثل، الموسيقي، الرسام… لا توجد مهنة تقريبا خارج دائرة التحول. لكن المأساة ليست في اختفاء بعض الوظائف. المأساة تكمن في أن المجتمعات الحديثة بنت هويتها حول العمل. حين يسأل الإنسان شخصا آخر: “من أنت؟” فهو غالبا يسأله ضمنيا: “ماذا تعمل؟” ومع توسع الذكاء الاصطناعي، يصبح السؤال أكثر رعبا: ماذا سيحدث عندما تتراجع الحاجة إلى ملايين الوظائف المعرفية؟ هل سيدخل البشر عصر التحرر من العمل؟ أم عصر البطالة الوجودية؟ هل سيصبح الوقت فراغا للإبداع؟ أم فراغا للقلق؟ إن العالم لم يحسم إجابته بعد, وخصوصا بالنسبة للفن, المعركة الأخيرة للروح كان الفن دائما الملاذ الأخير للإنسان. إذا استطاعت الآلة أن تحسب أسرع منه، فذلك مقبول. وإذا استطاعت أن تنقل أثقالا أكبر منه، فذلك مفهوم. لكن ماذا لو كتبت قصيدة؟ ورسمت لوحة؟ وألفت سيمفونية؟ وأخرجت فيلما؟

هنا يبدأ الجرح. ليس لأن الآلة أبدعت، بل لأن الإبداع كان آخر القلاع التي اعتقد الإنسان أنها تخصه وحده. لكن الحقيقة أكثر تعقيدا. فالذكاء الاصطناعي لا يحلم. لا يعشق. لا يحزن. لا ينتظر حبيبًا تحت المطر. إنه يعيد تركيب مليارات الآثار التي تركها البشر خلفهم. إنه مكتبة كونية تتحدث. أما الفن الحقيقي، فربما يبدأ من الجرح الذي لا تستطيع الآلة الشعور به. فهل خلق الإنسان كائنا فضائيا تجاوزه؟ ربما يبدو السؤال مجازيا، لكنه يحمل عمقا فلسفيا مذهلا. منذ عقود يبحث العلماء عن حياة خارج الأرض. يرسلون التلسكوبات إلى المجرات البعيدة، ويصغون إلى إشارات مجهولة قادمة من ظلام الكون. لكن ماذا لو كان أول “كائن غير بشري ذكي” لم يأت من النجوم؟ ماذا لو صنعناه نحن؟ ليس من لحم ودم، بل من بيانات وخوارزميات. ليس في مركبة فضائية، بل في مراكز البيانات العملاقة. إن الذكاء الاصطناعي يشبه “إكستراتيريست” ولد على الأرض. عقل بلا طفولة. ذاكرة بلا نسيان. معرفة بلا تجربة. لغة بلا جسد. وجوده يختلف جذريا عن وجودنا. ولهذا يصعب التنبؤ بمساره.
في القرون الوسطى كان الناس يخافون السحرة لأنهم يحولون الأشياء إلى ما ليست عليه. أما اليوم، فإن الخوارزميات تقوم بالأمر نفسه. صورة تتحول إلى فيديو. صوت يتحول إلى شخص آخر. نص يتحول إلى كاتب لم يكتبه. واقع يتحول إلى احتمال. احتمال يتحول إلى واقع. إننا نعيش عصرا يمكن فيه للسحر أن يكتب بلغة البرمجة. وهذا ما يجعل الحاجة إلى القوانين والأخلاق أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. ليست المعركة بين الإنسان والآلة. وليست بين الفنان والخوارزمية. وليست بين العامل والروبوت. المعركة الحقيقية هي بين عالم يحافظ على مركزية الإنسان وعالم تتحول فيه الكرامة البشرية إلى مجرد بيانات قابلة للاستخراج والتداول. ولهذا فإن مبادرات حماية الهوية والوجه والصوت ليست تفاصيل قانونية. إنها إعلان فلسفي كبير. إعلان يقول إن الإنسان ليس مجرد مادة خام لتدريب النماذج. وأن الوعي البشري ليس منجما مجانيا للبيانات. وأن الإبداع ليس مخزونا يمكن نهبه بلا حدود. في النهاية، قد لا يكون السؤال: هل سيهزم الذكاء الاصطناعي الإنسان؟ بل سؤال أكثر عمقا: هل سيتمكن الإنسان من الحفاظ على إنسانيته بينما يقترب أكثر فأكثر من صنع كائن يشبهه في كل شيء تقريبا… إلا أنه ليس إنسانا؟
📲 Partager sur WhatsApp