فرنسا وعبء الدّيون المتزايدة

بقلم زكية لعروسي, باريس

ليست الأرقام الكبيرة مجرد معطيات محاسبية باردة. حين تعلن فرنسا أنّ دينها العمومي بلغ 3.536 تريليون يورو، أي ما يعادل 117.5 في المائة من الناتج الداخلي الخام، فنحن لا نتحدث عن رقم يضاف إلى جداول وزارة المالية فحسب، بل عن لحظة تاريخية تكشف طبيعة التحولات العميقة التي يعيشها النموذج الاقتصادي الفرنسي والأوروبي برمّته. لقد اعتادت فرنسا، على مدى عقود طويلة، أن تقدم نفسها بوصفها نموذجا فريدا يجمع بين دينامية السوق وحماية الدولة الاجتماعية. كان هذا التوازن يشكل جوهر العقد الاجتماعي الفرنسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. غير أن الأرقام الأخيرة الصادرة عن المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء تشير إلى أنّ هذا النموذج دخل مرحلة من التوتر البنيوي غير المسبوق.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في حجم الدين وحده. فالولايات المتحدة واليابان تحملان مستويات دين تفوق أحيانا ما تحمله فرنسا نسبة إلى الناتج. ما يثير القلق هو التقاء عدة عوامل في لحظة واحدة: تباطؤ النمو، ارتفاع كلفة خدمة الدين، شيخوخة السكان، الضغوط المتزايدة على منظومة الحماية الاجتماعية، وتصاعد الإنفاق العسكري في بيئة دولية شديدة الاضطراب. خلال العقد الماضي، استفادت فرنسا، كما استفادت غالبية الاقتصادات الغربية، من مرحلة استثنائية من أسعار الفائدة المنخفضة. كان الاقتراض شبه مجاني. وكان بإمكان الحكومات ترحيل الأعباء المالية إلى المستقبل دون تكلفة سياسية أو اقتصادية فورية. لكن تلك المرحلة انتهت. ومع عودة الفائدة إلى مستويات أعلى، تحول الدين من مجرد رقم نظري إلى عبء حقيقي يلتهم جزءا متزايدا من الموارد العمومية.

وهنا تظهر المفارقة الفرنسية بكل وضوح. فالدولة مطالبة بالاستثمار في الدفاع بسبب التوترات الجيوسياسية. ومطالبة بتمويل التحول البيئي لمواجهة التغير المناخي. ومطالبة بتحديث المستشفيات والمدارس والبنى التحتية. ومطالبة في الوقت نفسه بالحفاظ على واحدة من أوسع شبكات الحماية الاجتماعية في العالم. غير أن الموارد المتاحة لم تعد تنمو بالوتيرة نفسها. لهذا يبدو النقاش الدائر اليوم في باريس حول تخفيضات إضافية في الإنفاق العام، والتي يتحدث بعض المسؤولين عن ضرورتها بمليارات اليوروهات، جزءا من مواجهة أكبر بكثير من مجرد نقاش حول ميزانية سنوية. إنّه نقاش حول حدود الدولة الحديثة نفسها.

ففرنسا ليست دولة تعاني من أزمة سيولة. المستثمرون ما زالوا يشترون سنداتها. والاقتصاد الفرنسي ما زال من بين أكبر اقتصادات العالم. لكنّ السؤال الذي يطرحه المستثمرون والمؤسسات المالية والأسواق هو سؤال الثقة طويلة الأمد. هل تستطيع الدولة الفرنسية الحفاظ على مستوى الإنفاق الحالي مع استمرار تراكم الدين؟ وهل يمكنها إعادة التوازن إلى المالية العمومية دون المساس بالتماسك الاجتماعي؟ هنا تكمن المعضلة السياسية. رفع الضرائب يحمل مخاطر اقتصادية وانتخابية كبيرة. وتقليص الإنفاق الاجتماعي يهدد بإثارة توترات اجتماعية في بلد يملك تاريخا طويلا من الاحتجاجات الشعبية. أمّا الاعتماد المستمر على الاقتراض فقد يصبح اكثر كلفة مع مرور الوقت. ولذلك تجد الحكومة نفسها امام معادلة شبه مستحيلة: خفض العجز دون خفض النمو، وضبط الإنفاق دون تفكيك الدولة الاجتماعية، وزيادة الاستثمارات الاستراتيجية دون زيادة الضرائب.

لكن خلف هذه الأرقام توجد حقيقة أعمق. الدين العام ليس مجرد نتيجة لسياسات خاطئة أو صحيحة. إنه أيضا انعكاس لاختيارات مجتمع كامل. حين يطالب المواطن بخدمات صحية أفضل، ومدارس أكثر كفاءة، ودعم اجتماعي أوسع، وحماية أمنية أقوى، فإنه يطالب ضمنيا بموارد إضافية. وعندما يرفض في الوقت نفسه ارتفاع الضرائب، تظهر الفجوة التي يملؤها الدين. لقد دخلت فرنسا، كما دخلت معظم الديمقراطيات الغربية، مرحلة يصبح فيها السؤال المالي سؤالا حضاريا. أي دولة تريد ان تكون؟ وما الثمن الذي يقبل المجتمع دفعه للحفاظ على هذا النموذج؟

السنوات المقبلة ستكون حاسمة. فإذا نجحت باريس في استعادة السيطرة التدريجية على عجزها المالي مع الحفاظ على تنافسية اقتصادها، فقد تتحول الأزمة الحالية إلى مجرد مرحلة انتقالية صعبة. أما إذا استمر الدين في الارتفاع بوتيرة تفوق النمو الاقتصادي، فقد تجد البلاد نفسها أمام قيود مالية وسياسية متزايدة تحد من قدرتها على رسم سياساتها بحرية. في نهاية المطاف، لا يخيف المستثمرين حجم الدين بقدر ما يخيفهم غياب الرؤية. والأسواق لا تعاقب الدول الفقيرة بقدر ما تعاقب الدول التي تفقد القدرة على إقناع العالم بأنّ لديها طريقا واضحا نحو المستقبل. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يبدو أن التحدي الحقيقي لفرنسا ليس فقط خفض الدين، بل إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والديموغرافية والمالية بوتيرة غير مسبوقة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *