من حكمة القليل إلى عبودية الوفرة
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
لم يكن الإنسان القديم يعرف شيئا اسمه «الموضة السريعة جدا»، لكنه كان يعرف، بالفطرة التي تصنعها ندرة الأشياء، معنى آخر أكثر عمقا للملبس: أن يكون للثوب عمر، وللنسيج ذاكرة، وللشيء علاقة بصاحبه. كان الثوب يورث، ويرقع، ويعاد خياطته، ويتغير شكله مع الزمن، حتى يكاد يحمل على سطحه سيرة العائلة التي ارتدته. أما اليوم، فقد أصبح الثوب في كثير من الأحيان يولد لكي يموت بسرعة، ويصل إلى صاحبه محملا في علبة، ثم يغادر حياته بعد أسابيع كأنه لم يكن. وهنا لا يعود السؤال: كم يكلفنا القميص؟ السؤال الأكثر خطورة هو: ماذا يكلفنا أن يصبح القميص بلا قيمة؟
فالقرار الفرنسي الذي يفرض مالوسا بيئيا على منتجات الموضة فائقة السرعة، ابتداء من اليوم، يمكن قراءته بوصفه أكثر من إجراء مالي أو بيئي. إنه محاولة سياسية صغيرة لإعادة شيء من التوازن إلى علاقة مختلة بين الإنسان والشيء، بعدما أصبح الاقتصاد الحديث بارعا في إنتاج رغبات أسرع من قدرة العقل على مقاومتها. إننا نعيش للمفارقة في عصر الوفرة، لكننا نتصرف كما لو أننا في حالة نقص دائم. لدينا ملابس أكثر مما نحتاج، ومع ذلك نشعر أن خزانة الملابس ناقصة. لدينا أحذية تكفي لسنوات، ومع ذلك نشعر أن الموسم الجديد بدأ من دوننا. لدينا ما يكفي من الأشياء، لكن السوق أقنعنا بأن الكفاية حالة مرضية، وأن الإنسان الطبيعي هو ذلك الذي يحتاج دائما إلى شيء آخر. وهذه ليست مسألة اقتصادية فقط. إنها مسألة تتعلق بفلسفة الإنسان تجاه نفسه.
في التراث العربي القديم، كان الاقتصاد في العيش فضيلة، وكانت قيمة الشيء لا تقاس فقط بقدرته على إشباع الرغبة، بل بقدرته على البقاء وأداء وظيفته. وفي الموروث الإسلامي تتردد فكرة القصد في الإنفاق والنهي عن الإسراف، لا بوصفها عداء للنعمة، وإنما باعتبار أن النعمة تفقد معناها حين تتحول إلى استهلاك أعمى. وفي الحكمة العربية القديمة، التي راكمتها قرون من التجربة، كان «خير الأمور أوسطها» قاعدة تتجاوز الطعام واللباس والمال إلى تصور كامل للحياة: لا إفراط يحول النعمة إلى عبء، ولا تفريط يحول الحاجة إلى حرمان. حتى الأمثال الشعبية، تلك الفلسفة التي خرجت من أفواه الناس من دون أن تحتاج إلى جامعات، كانت تعرف ما ننساه اليوم: «على قد لحافك مد رجليك». المثل يبدو بسيطا. لكنه يحمل في داخله نظرية اقتصادية كاملة. لا تجعل رغبتك أكبر من قدرتك، ولا تجعل حاجتك أسيرة لما يعرضه عليك السوق. كان اللحاف، في تلك الحكمة الشعبية، حدا ماديا. أما اليوم فقد أصبح السوق نفسه يطلب منا أن نمد أرجلنا خارج اللحاف باستمرار، ثم يقنعنا بأن المشكلة ليست في الاستهلاك، بل في أننا لم نشتر بعد بما يكفي.
وهنا يبدأ الانقلاب الكبير. لم يعد السوق ينتظر أن يشعر الإنسان بالحاجة لكي يبيع له. لقد أصبح يصنع الحاجة نفسها. وهذا هو أحد أخطر التحولات في الرأسمالية الاستهلاكية: انتقال الاقتصاد من إنتاج الأشياء إلى إنتاج الرغبات. فالإنسان القديم كان يشتري ما يحتاجه. أما الإنسان الاستهلاكي الحديث فقد أصبح، في كثير من الأحيان، يكتشف حاجته بعد أن يرى الإعلان. إنها معادلة مذهلة: السلعة لم تعد تستجيب للرغبة، بل أصبحت الرغبة تستجيب للسلعة. وهكذا تحولت واجهة الهاتف إلى سوق لا يغلق أبوابه أبدا. لا صباح له ولا مساء. لا موسم له ولا عيد. كل حركة إصبع يمكن أن تفتح أمامك آلاف الأشياء التي لم تكن تعرف قبل دقيقة واحدة أنك تريدها. وهنا تصبح شركات الموضة فائقة السرعة أكثر من شركات ملابس. إنها شركات لإدارة الانتباه. تبيع القماش، نعم، لكنها تبيع معه الإحساس بأنك متأخر عن الآخرين. وهذا الإحساس هو الوقود الحقيقي للاستهلاك. لذلك لا ينبغي أن نفهم ظاهرة الموضة فائقة السرعة من خلال سعر القميص وحده. القميص قد يكون رخيصا، لكن منظومة إنتاجه واستهلاكه ليست كذلك. هناك مياه استهلكت. وطاقة أنفقت. ومواد أولية استخرجت. ونقل بحري وجوي وبري. وعمال أنتجوا. وخوارزميات راقبت سلوك المستهلك. وصور صنعت الرغبة. ونفايات ستبقى بعد أن تنتهي المتعة. إن السعر الذي يظهر على الشاشة ليس إلا الجزء الأكثر ضآلة من الفاتورة.
وهذه هي الحيلة الكبرى التي يمارسها الاقتصاد الاستهلاكي: أن يجعل الفاتورة مرئية للمستهلك، ويخفي الفواتير الأخرى. أنت ترى 10 يورو. لكن البيئة لا ترى 10 يورو. والعامل الذي صنع القطعة لا يراها بالضرورة 10 يورو. والنهر الذي تلقى مخلفات الصناعة لا يراها 10 يورو. ومكب النفايات الذي سيستقبل القطعة بعد أشهر لا يراها 10 يورو. إنها قد تكون عشرة يورو في المتجر، لكنها سلسلة طويلة من التكاليف المؤجلة التي يدفعها آخرون، وفي أحيان كثيرة يدفعها المستقبل. وهنا تصبح الضريبة البيئية محاولة لإجبار السوق على النظر إلى المرآة. فحين يرتبط المال بعدد المنتجات الهائل وتنوعها وسرعة طرحها مقارنة بحوافز الإصلاح، فإن الرسالة ليست: «لا تشتروا». الرسالة الأعمق هي: «لا تجعلوا التخلص من الشيء أرخص من الحفاظ عليه». وهذا تحول فلسفي قبل أن يكون ماليا. لأن الحضارة التي تجعل إصلاح الشيء أغلى من رميه تعلن، من حيث لا تدري، أنها أصبحت حضارة ضد الاستمرار.

لقد عرف أجدادنا اقتصاد الإصلاح. كان الحذاء يصلح. والثوب يرقع. والباب يعاد طلاؤه. والأثاث ينتقل من جيل إلى جيل. وكان الشيء يزداد قيمة لأنه عاش طويلا. أما نحن فقد قلبنا المعادلة: أصبح الشيء يفقد قيمته كلما طال عمره. الجديد صار مرادفا للأفضل، والقديم صار مرادفا للمتجاوز. وهذه الفكرة ليست بريئة. إنها قلب الاقتصاد الاستهلاكي. فالاقتصاد الذي يحتاج إلى نمو مستمر يحتاج أيضا إلى مستهلك لا يكتفي أبدا. ولو اكتفى الناس بما لديهم، لتوقفت عجلة هائلة من الإنتاج. ولهذا كان لا بد من اختراع شعور دائم بالنقص. ليس نقصا في الضروريات، وإنما نقصا رمزيا. أن نشعر أن هاتفنا قديم. أن ملابسنا لم تعد مواكبة. أن بيتنا يحتاج إلى تغيير. أن مظهرنا يحتاج إلى تحديث. أن شخصيتنا نفسها يمكن تحسينها عبر شراء شيء جديد.
لقد تحول الاستهلاك من فعل اقتصادي إلى لغة اجتماعية. لم نعد نشتري الأشياء فقط لأنها نافعة، بل لأنها تقول شيئا عنا. الثوب يخبر الآخرين من نكون. والهاتف يخبرهم بموقعنا. والسيارة تخبرهم بما نريد أن يكون عليه موقعنا. والعلامة التجارية تتحول إلى بطاقة هوية صامتة. وهنا يصبح الإنسان مستهلكا لصورته قبل أن يكون مستهلكا للسلع. وهذا هو الجزء الذي لا يظهر في الإحصاءات. يمكن للدولة أن تقيس عدد القطع المباعة. لكنها لا تستطيع بسهولة أن تقيس عدد المرات التي شعر فيها إنسان بأنه أقل من الآخرين لأنه لم يشتر ما اشتروا. إن الاقتصاد الحديث لم يعد يبيع الأشياء فقط. إنه يبيع المقارنة. والمقارنة لا تشبع. لأن هناك دائما شخصا آخر يملك أكثر. من هنا تبدو الحكمة القديمة أكثر حداثة مما نظن.
فالزهد، في معناه العميق، لم يكن بالضرورة رفضا للحياة، وإنما رفضا لأن تتحول الأشياء إلى سلاسل. والاعتدال لم يكن فقرا، بل كان محاولة لحماية الإنسان من أن يصبح عبدا لما يملك. حتى الحكايات القديمة كانت تعرف هذه المعضلة. كان الملوك يملكون الذهب، ثم يكتشفون أن الذهب لا يمنحهم يوما إضافيا. وكان البخلاء يجمعون الأشياء حتى تصبح الأشياء هي التي تملكهم. وفي كل هذه الحكايات، من الشرق إلى الغرب، يظهر المعنى نفسه بأقنعة مختلفة: عندما يتحول الشيء من وسيلة إلى غاية، يبدأ الإنسان في فقدان حريته. اليوم لا نحتاج إلى ملك يملك خزائن الذهب. يكفي هاتف صغير. يمكن أن يصبح الإنسان محاصرا داخل سوق لا ينتهي. كل دقيقة اقتراح جديد. كل ساعة تخفيض جديد. كل أسبوع «مجموعة جديدة». وكل شهر سبب جديد لإلقاء ما اشتريته قبل أشهر. لقد أصبح الزمن نفسه سلعة. الموضة لا تبيع القماش فقط، بل تبيع الإحساس بأن عليك أن تواكب الزمن قبل أن يفوتك. وهكذا أصبح الزمن، للمفارقة، أسرع من قدرة الإنسان على ارتداء ملابسه.
لكن القرار الفرنسي يفتح سؤالا أكبر من فرنسا نفسها: هل يمكن للدولة أن تعيد تعريف معنى «السعر العادل»؟ ربما لا تستطيع الدولة أن تغير طبيعة الإنسان، لكنها تستطيع أن تمنع السوق من إخفاء بعض تكاليفه. وهنا تأتي أهمية المالوس. ليس لأنه سيحل أزمة الاستهلاك، ولن يفعل. وليس لأنه سيقلب صناعة الأزياء بين ليلة وضحاها. ولكن لأنه يرسل إشارة سياسية مهمة: هناك تكلفة لما نشتريه، حتى عندما لا تظهر تلك التكلفة على بطاقة السعر. ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر صعوبة: هل يكفي أن نعاقب الشركات؟ ماذا عن المستهلك؟ إن إلقاء المسؤولية كلها على المنصات سيكون مريحا، لكنه غير كاف. فالمنصة تغذي الرغبة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تخلق إنسانا يريد شراء عشرين قطعة لأنه رأى عشرين صورة. هناك مسؤولية مشتركة بين الدولة والشركات والمستهلك والثقافة نفسها. نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى فكرة قديمة جدا، لكنها تكاد تبدو ثورية اليوم: أن الشيء الجيد ليس الشيء الأرخص، ولا الشيء الأحدث، بل الشيء الذي يستحق أن يبقى.
قد يبدو هذا الكلام رومانسيا. لكنه في الحقيقة شديد الواقعية. فكل قطعة نشتريها هي تصويت لنموذج اقتصادي. وكل مرة نصلح فيها قطعة بدلا من رميها هي تصويت لنموذج آخر. وكل مرة نسأل فيها «هل أحتاج إلى هذا؟» قبل «كم سعره؟» نستعيد شيئا صغيرا من حريتنا. ربما لا تكون المعركة الحقيقية ضد الموضة السريعة. ربما تكون المعركة ضد السرعة نفسها حين تصبح معيارا للحياة. سرعة الإنتاج. سرعة الشراء. سرعة الملل. سرعة الرمي. سرعة استبدال الإنسان للأشياء، ثم استبدال الأشياء بالإنسان نفسه في سباق لا يصل فيه أحد إلى خط النهاية. لقد كان أجدادنا يعرفون قيمة الشيء الذي يبقى. ونحن نحتاج اليوم إلى أن نتعلم قيمة الإنسان الذي لا يحتاج إلى شراء شيء جديد كل صباح كي يشعر أنه موجود. فالحضارة لا تقاس بعدد الأشياء التي تستطيع أن تنتجها، بل بقدرتها على معرفة الأشياء التي لا تحتاج إلى إنتاجها. والثروة ليست أن تمتلك أكثر. الثروة، في أحد أعمق معانيها، أن تحتاج إلى أقل.
وربما كان المالوس الفرنسي الصغير على قميص رخيص مجرد تفصيل قانوني في خبر اقتصادي عابر. لكن خلف هذا التفصيل يقف سؤال هائل بحجم العصر نفسه: هل نريد اقتصادا يجعل الأشياء أرخص مهما كان الثمن الذي يدفعه العالم، أم نريد اقتصادا يعيد للشيء قيمته، وللعمل كرامته، وللطبيعة حقها، وللإنسان حريته في أن يقول: لدي ما يكفيني؟ ليست المشكلة أن لدينا ملابس كثيرة. المشكلة أن السوق أقنعنا بأننا لا نملك ما يكفي، مهما امتلكنا. وحين ينجح السوق في إقناع الإنسان بأنه ناقص دائما، يصبح الاستهلاك بلا نهاية. عندها لا يعود السؤال: ماذا نشتري؟ بل يصبح السؤال الأكثر رعبا: من الذي يشتري من؟ هل نحن الذين نشتري الأشياء؟ أم أن الأشياء، ومعها الإعلانات والخوارزميات والرغبات المصنوعة، هي التي أصبحت تشتري منا وقتنا وانتباهنا ومالنا، قطعة بعد أخرى، حتى نستيقظ ذات يوم فنكتشف أن الخزانة ممتلئة، والبيت ممتلئ، والمخازن ممتلئة، لكن الإنسان في الداخل أصبح أكثر فراغا؟ هناك، بالضبط، يبدأ التفكير الحقيقي في الاستهلاك. وهناك أيضا تبدأ الحرية.
📲 Partager sur WhatsApp