الجاليات المغربية…صنّاع الملاحم في العالم

بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغن – الدنمارك 

في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، حيث تتجه أنظار العالم إلى ملاعب كرة القدم، يصنع مغاربة العالم مشهدا وطنيا استثنائيا يبعث على الفخر والاعتزاز. هناك، لا يكتفون بتشجيع المنتخب الوطني، بل يكتبون بأصواتهم، وأعلامهم، ودموع الفرح، فصولا جديدة من ملحمة الانتماء للمملكة المغربية. يلتحفون العلم المغربي في المدرجات، ويرددون النشيد الوطني بكل شموخ، حتى أولئك الذين حالت ظروف الهجرة دون إتقانهم للغة العربية أو الأمازيغية. قد يعجز بعضهم عن تهجئة الحروف، لكنهم يتقنون لغة أسمى وأبلغ: لغة الوفاء للوطن. فتمغربيت ليست كلمات تحفظ، بل إحساس يسكن القلوب، وهوية لا تذوب مهما باعدت المسافات. لقد اختار ملايين المغاربة الهجرة بحثا عن أفق أرحب، وعن الكرامة وفرص العيش الكريم، فاستقروا في مختلف قارات العالم، لكنهم لم يغادروا المغرب يوما من وجدانهم. ظل الوطن يسكن ذاكرتهم، وحملوه معهم في ثقافتهم، وفي قيمهم، وفي حبهم الذي لا ينطفئ، فأصبحوا خير سفراء للمغرب في كل المحافل الدولية.

والمغرب، الذي كان عبر التاريخ ملتقى الحضارات وجسر التواصل بين إفريقيا وأوروبا والعالم، ظل أرضا للانفتاح والتعايش. ومن الأدارسة إلى المرابطين والموحدين والمرينيين والوطاسيين ثم العلويين، تركت الدول التي تعاقبت على حكم المملكة إرثا حضاريا عظيما، جعل من المغرب بلدا ذا تاريخ مجيد ومكانة راسخة بين الأمم. واليوم، يواصل أبناء المغرب، داخل الوطن وخارجه، كتابة صفحات جديدة من هذا التاريخ. ففي الملاعب العالمية، يرفعون الراية المغربية عاليا، ويؤكدون أن صورة المغرب لا تختزل في كرة القدم وحدها، بل تمتد إلى الإبداع والعلم والثقافة والاقتصاد والدبلوماسية وكل مجالات التميز.

إن كأس العالم ليست مجرد منافسة رياضية، بل فرصة استراتيجية للتعريف بالمغرب الحديث، وبالتحولات الكبرى التي يعرفها، وبالطاقات المغربية المنتشرة في مختلف أنحاء العالم. إنها مناسبة ليبرهن المغاربة جميعا أن وطنهم يسير بثقة نحو المستقبل، وأن أبناءه، أينما كانوا، يشكلون قوة واحدة توحدها راية الوطن. وقد أثبتت الإنجازات الأخيرة للمنتخبات الوطنية، وخاصة الأجيال التي تكوّن جزء كبير منها في بلدان المهجر إلى جانب مواهب الداخل، أن مغاربة العالم ومغاربة الداخل يشكلون جسدا واحدا وروحا واحدة. فلا فرق بين مغربي وُلد في الدار البيضاء، أو الرباط، أو فاس، وبين مغربي رأى النور في باريس أو بروكسيل أو أمستردام أو كوبنهاغن أو مونتريال؛ فجميعهم ينبضون بحب المغرب، ويجسدون أسمى معاني الوحدة الوطنية.

غير أن هذا التلاحم الشعبي الكبير ينبغي أن يواكبه تفعيل حقيقي للحقوق الدستورية لمغاربة العالم. فمن غير المقبول أن تظل مقتضيات دستورية واضحة، تكفل لهم المشاركة في مؤسسات الحكامة وصنع القرار، معلقة إلى أجل غير معلوم. فكما يساهمون في رفع اسم المغرب عالياً، يحق لهم أن يكونوا شركاء كاملين في بناء مستقبله. إن الرسالة التي يبعث بها مغاربة العالم من مدرجات الملاعب واضحة: حب الوطن يختبر بصدق الانتماء. وهم يثبتون، في كل مناسبة، أن المغرب يسكن القلوب قبل الجغرافيا، وأن تمغربيت هوية تتجاوز الحدود واللغات واللهجات. ستظل الراية المغربية ترفرف في سماء العالم، وسيظل النشيد الوطني يوحد ملايين المغاربة داخل الوطن وخارجه، لأن قوة المغرب كانت دائما في وحدة أبنائه، وفي تلاحم عرشه وشعبه، وفي وفاء أبنائه أينما وجدوا. عاش المغرب موحداً، شامخا، عزيزا، وعاشت الجالية المغربية بالخارج سندا للوطن، وجسرا يربطه بالعالم، وصانعة للملاحم في كل المحافل الدولية.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “الجاليات المغربية…صنّاع الملاحم في العالم

  1. جل اللاعبين مغاربة العالم، توحدهم مع باقي الجماهير لحمة تامغربيت. وسيكون استقبالهم مهما كانت النتيجة، لمسة شعرية لإسمنت مسقط راس الأصول.

  2. حقا، مشاركة مغاربة العالم في تدبير أسس التنمية والاستماع لأصواتهم البناءة حق مشروع يجب الإلحاح في طلبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *