عبد الله شوكا, كاتب وصحافي – المغرب
“وجاد الجنوب على الشمال بأمينة السوسي” عنوانٌ لمقالٍ سبق أن نُشر في جريدة الاتحاد الاشتراكي خلال بداية تسعينيات القرن الماضي، يوم كان الناقد التلفزي المرحوم مصطفى المسناوي، رحمه الله، يشرف على ركن الملحق التلفزي الأسبوعي الذي كان يصدر كل يوم اثنين. وقد قصدتُ من خلال مقالي “وجاد الجنوب على الشمال بأمينة السوسي” الإشادة بهذه القامة الإذاعية التي انتقلت من مسقط رأسها بجنوب المغرب، تافراوت، إلى شمال المملكة، حيث حطَّت الرحال، وهي صغيرة السن، رفقة أسرتها بمدينة طنجة، عروس الشمال، لتنطلق من هناك في رحلة التألق والنجومية في ميدان الإعلام الهادف. تلك هي عبقرية الميكروفون، ماما أمينة السوسي، أطال الله في عمرها.
وسأقصّ عليكم هنا حكاية لا تكاد تصدَّق، وكانت ماما أمينة السوسي بطلتها عبر أثير إذاعة طنجة. أُذكِّركم بإحدى حلقات برنامج “لا أنام” الذي كانت تقدمه ماما أمينة السوسي، أطال الله في عمرها، خلال حقبة الثمانينيات، وهي حلقة مثيرة ما زالت راسخة في الذاكرة. كانت ماما أمينة السوسي، من خلال برنامجها “لا أنام”، تشرف على أعمال اجتماعية وخيرية، وتقدم مساعدات للمحتاجين، مع تواصلها المباشر مع المستمعين. وخلال إحدى الحلقات، اتصل شخص من إقليم مدينة الجديدة، وقدم نفسه لماما أمينة السوسي، ثم قصّ عليها حكايته الغريبة. قال إن اسمه بوشعيب، وإنه كان ملاكما، وسبق له أن هاجر إلى ألمانيا، حيث تزوج من امرأة ألمانية، ورزق منها بطفلين، ولد وبنت.
وبينما كان يقيم في ألمانيا، وصله خبر مرض والده بدكّالة، مما اضطره إلى السفر إلى المغرب للاطمئنان على حالته، برفقة زوجته الألمانية. وبعد أن قضى أسابيع في دكالة، عاد إلى ألمانيا رفقة زوجته. وبعد أشهر، تفاقم مرض والده، فطلب من زوجته الألمانية مرافقته مرةً أخرى إلى المغرب للاطمئنان عليه، لكنها رفضت السفر هذه المرة، فحلّ الملاكم بوشعيب بالمغرب وحيدا. وقضى والد الملاكم بوشعيب سنوات طويلة طريح الفراش، فظل ابنه إلى جانبه طوال تلك المدة، حتى توفي الوالد. وبعد وفاة والده، عاد الملاكم بوشعيب إلى ألمانيا للاطمئنان على زوجته وطفليه، بعدما انقطع التواصل بينهم سنوات طويلة. وعندما وصل، أخبره الجيران بأن زوجته وابنيه قد سافروا إلى الولايات المتحدة الأمريكية دون أن يتركوا عنوانا أو وسيلة للتواصل. وبعد أن أضناه البحث في ألمانيا، وفقد الأمل في العثور عليهم، عاد إلى دكالة، وتزوج من امرأة من قبيلته، ورزق منها بخمسة أبناء.
هذه هي القصة التي حكاها الملاكم بوشعيب لماما أمينة السوسي عبر الهاتف، ومن خلال أثير إذاعة طنجة، في إحدى حلقات برنامج “لا أنام”. وهنا حدثت المعجزة بقدرة الله. ففي مساء السبت الموالي لتلك الحلقة، اتصل طالب مغربي من مدينة فاس، وأخبر ماما أمينة السوسي بأنه يدرس في الولايات المتحدة الأمريكية، وأنه يعرف صديقا ألمانيا حكى له أنه ابن أب مغربي وأم ألمانية، وأنه فقد الاتصال بوالده منذ أن عاد هذا الأخير إلى المغرب بسبب مرض والده، لتنقطع بعد ذلك أخبار الأب عن زوجته وابنيه. عندها أيقنت ماما أمينة السوسي أن القدر يتدخل لجمع شمل هذه الأسرة. وضرب الطالب المغربي موعدا مع ماما أمينة السوسي في حلقة السبت الموالي، بعد عودته إلى الولايات المتحدة، حتى يتمكن من الاتصال بصديقه.
وفعلا، حلت الحلقة المنتظرة، وأشرفت ماما أمينة السوسي، عبر الأثير، على تمرير المكالمة الهاتفية بين الملاكم بوشعيب، الموجود بدكالة، وابنه المقيم في الولايات المتحدة، الذي لم يكن يتحدث إلا اللغة الإنجليزية. وكان بكاء الملاكم بوشعيب، على الهواء مباشرة، من شدة الفرح وهو يسمع صوت ابنه بعد سنوات طويلة من الفراق. كانت حلقةً مؤثرةً للغاية، أدمعت العيون، وهزَّت مشاعر المستمعين والمتابعين. وبعد أسابيع، حلت الزوجة الألمانية رفقة ابنيها بدكالة، واجتمع الشقيقان القادمَان من ألمانيا بإخوتهما من أبناء دكالة. وقد كتبت الصحف المغربية آنذاك عن هذا اللقاء الإنساني المؤثر، الذي جمع الأشقاء الألمان بإخوتهم الدكاليين، بعد سنوات طويلة من الفراق، في واحدة من أجمل القصص التي صنعها الإعلام الإذاعي المغربي.
📲 Partager sur WhatsApp