بقلم زكية لعروسي, باريس
في قديم الزمان، كان الإنسان يخشى أن يبيع روحه للشيطان. أما اليوم، فلا أحد يطلب روحه. يكفي أن يشتريها بالتقسيط. لقد بلغ عالم الاستهلاك درجة من الخيال تفوق ما تخيله شعراء الميثولوجيا الإغريقية أنفسهم. فبروميثيوس الذي سرق النار للإنسان لم يكن يتصور أن أحفاده سيشترون يوما حلوى بنكهة الأناناس على أمل أن يعيدوا اختراع رائحة أجسادهم. وسيزيف، الذي حكمت عليه الآلهة بأن يدحرج صخرته إلى الأبد، ربما لو عاش عصرنا لاستبدلت صخرته بعربة تسوّق إلكترونية لا تصل أبدا إلى نهايتها. ليست القضية في قطعة “غومي” صغيرة، ولا في اسم مشهور يوقع على عبوة لامعة. القضية أن السوق لم يعد يبيع الأشياء، بل صار يبيع القلق نفسه، ثم يعرض علينا، بثمن إضافي، علاجا لذلك القلق الذي صنعه بيديه.
وهنا تكمن عبقرية الرأسمالية المتأخرة؛ إنها لا تنتظر وجود الحاجة، بل تخترعها أوّلا، ثم تحولها إلى ضرورة، ثم تجعل المستهلك يشعر بالذّنب إن لم يشتر الحل. كان العرب يقولون: “القناعة كنز لا يفنى.” أما السوق فيهمس اليوم: “الرضا عدو الأرباح.” لم يعد الجسد بيت الإنسان، بل صار مشروعا لا ينتهي من التحسينات. البشرة ناقصة، والشعر يحتاج إلى معجزة، والأسنان إلى بياض أكثر بياضا، والعمر إلى فيتامينات لا تنتهي، والنوم إلى تطبيق ذكي، والمزاج إلى كبسولة، وحتى ما كان يعد في الثقافات القديمة جزءا من الطبيعة الإنسانية، صار مادة للتسويق. لقد دخلت الرأسمالية إلى آخر غرفة كانت تبدو عصية على التجارة: الحميمية.
وليس من المصادفة أن يحذر أطباء النساء من أنّ الوعود المتعلقة بتغيير الرائحة الطبيعية للجسم لا تستند إلى أدلة علمية قوية، وأنّ المهبل عضو ينظف نفسه ذاتيا، ولا يحتاج إلى هذه الوعود التسويقية. وهنا يصبح السؤال أوسع من منتج بعينه: لماذا يقنع السوق الإنسان بأن الطبيعة نفسها تحتاج إلى إعادة تصميم؟ كان أرسطو يميز بين ما هو “طبيعي” وما هو “مصطنع”. أمّا عصرنا فقد أعلن الحرب على هذا التمييز. فكل ما هو طبيعي أصبح مشروعا للتحسين، وكلّ ما هو كاف أصبح غير كاف، وكلّ ما هو عادي صار عيبا ينبغي تصحيحه. ومن هنا تبدأ الكوميديا السوداء. إنّها ليست كوميديا لأن المنتج غريب، بل لأننا بتنا نستهلك حلولا لمشكلات لم تكن موجودة أصلا. جان بودريار كان سيبتسم ابتسامة مرة. فقد كتب أن المجتمعات الحديثة لم تعد تستهلك الأشياء، بل تستهلك العلامات والرموز. نحن لا نشتري السلعة، بل الصورة التي تعدنا بها. ولسنا أمام حلوى، بل أمام وعد بالثقة، وبالقبول، وبالتحرّر من خوف جرى تضخيمه ثقافيا.

أما ميشيل فوكو، الذي حلّل كيف تتحول السلطة إلى إدارة دقيقة للأجساد، فربّما كان سيرى في هذه المنتجات مثالا على انتقال الرّقابة من الخارج إلى الداخل. لم يعد أحد يفرض عليك نموذجا بالقوة؛ أنت من يراقب نفسك، ويقيسها، ويقارنها، ويبحث عن “الإصدار المحسن” منها. وفي التراث العربي، نجد أصداء مختلفة لهذا المعنى. فقد كان الأطباء، من أمثال ابن سينا والزهراوي، يتحدثون عن الجسد باعتباره نظاما يبحث عن التوازن، لا عن الكمال. وكانوا يحذرون من الإفراط في التدخل فيما لا يحتاج إلى تدخل، لأن العلاج قد يصبح داء إذا فقد الاعتدال. أما الفلاسفة الرواقيون، من زينون إلى ماركوس أوريليوس، فكانوا ينظرون إلى الجسد بوصفه رفيقا للروح، لا مشروعا تجاريا مفتوحا إلى الأبد. لكن السوق لا يحب الاعتدال.
إنه لا يعيش إلاّ إذا شعر الإنسان بالنقص. ولهذا فإن صناعة “العافية” تحولت، في كثير من الأحيان، إلى صناعة للقلق. كل إعلان يزرع سؤالا جديدا، وكل سؤال يخلق منتجا جديدا، وكل منتج يحتاج إلى حملة تزرع قلقا آخر. إنها دائرة مغلقة، لا تنتج الصحة بقدر ما تنتج شعورا دائما بأن الصحة لم تكتمل بعد. ولعل أكثر ما يثير الأسى أن اللّغة نفسها أصبحت جزءا من هذه الصناعة. لم تعد الكلمات تصف الواقع، بل تصنعه. فحين يقال لك إنّ عليك أن تكون “أكثر انتعاشا”، أو “أكثر توازنا”، أو “أكثر طبيعية” عبر شراء منتج، فإن اللّغة تتحول إلى مصنع للرغبات، لا إلى أداة للفهم.
وربما كان سليم بركات سيكتب هذه الحكاية على هيئة غابة تمشي فيها الأشجار نحو السوق لتشتري أوراقا أكثر خضرة، فيما تقف الريح، حائرة، تتساءل: متى أصبح الربيع سلعة معروضة على الرفوف؟ إنّ الحضارة التي كانت تبحث عن معنى الإنسان، أصبحت تبحث عن رائحة قابلة للتسويق. وهنا لا تكمن المأساة في منتج واحد، بل في فكرة كاملة: أن الاستهلاك لم يعد يكتفي بما نأكل أو نلبس أو نركب، بل صار يقترب من أكثر مناطق الإنسان خصوصية، محاولا أن يحوّل حتى الطبيعة إلى مشروع تسويقي دائم. ولعل المقاومة الأكثر هدوءا، والأكثر ثورية في الوقت نفسه، ليست رفض السوق، بل رفض أن يصبح الإنسان مشروعا لا ينتهي لإصلاح ما لم يكن معطوبا أصلا.
📲 Partager sur WhatsApp
صحيح نحن نعيش زمن أمسى كل شيء فيه يصنع في المختبرات، وعلى رأس ذلك صناعة الرغبة أساسا، خاصة وأن الحاجة فهي طبيعية، المشكل هو الرغبة التي تم التحكم فيها وتأجيجها من مزيد من الاستهلاك. نحن نعيش عصر l’hommo- consomateur