حين تصير الظلال للبيع : «Utiq»

بقلم زكية لعروسي, باريس

لم يعد الإنسان يترك أثرا في الطريق. بل صار الطريق هو الذي يترك أثره في الإنسان. كان الصياد القديم يقرأ آثار الأقدام فوق الرمل ليعرف إلى أين مضى الغزال. أما اليوم، فقد انقلب المشهد على نحو يكاد يكون أسطوريا؛ الغزال نفسه يحمل الصياد على ظهره، ويقوده طائعا إلى كل شجرة ماء، لأن الصياد لم يعد يحمل رمحا، بل خوارزمية. ها هو «Utiq» يظهر، لا بوصفه مجرد تقنية جديدة للإعلان، بل باعتباره فصلا آخر في السيرة الطويلة للرأسمالية الرقمية، تلك التي لم تعد تكتفي ببيع الأشياء، بل شرعت في امتلاك الطريق الذي يصل بين الرغبة والشيء.

لقد كانت ملفات تعريف الارتباط، أو الكوكيز، تشبه لصوصا صغارا يتركون بصماتهم على نافذة المتصفح. نستطيع أن نمحوها بضغطة زر، كما يكنس المرء غبار غرفة. أما اليوم، فإن الممحاة نفسها أصبحت جزءا من اللعبة. صار التعقب يسكن العلاقة بين الإنسان والشبكة، بين العقد والهوية، بين العنوان الرقمي والجسد المتنقل من هاتف إلى حاسوب إلى شاشة سيارة. كأن التكنولوجيا لم تعد تراقب خطواتنا، بل صارت تتنفس معنا. كان هيراقليطس يقول إنك لا تعبر النهر مرتين، لأن الماء يتغير باستمرار. أما في زمن البيانات، فأنت تعبر آلاف الأنهار، لكن النهر وحده لا ينساك. لقد أصبح كل عبور ذكرى محفوظة، وكل نقرة سيرة ذاتية، وكل تردد أمام سلعة اعترافا اقتصاديا. ولعل أفلاطون لو عاد اليوم لاكتشف أن الكهف الذي تحدث عنه لم يعد تحت الأرض، بل في الجيب. شاشة صغيرة تعرض لنا ظلالًا جديدة، بينما يظن كل واحد منا أنه يختار بحرية، في حين أن الخوارزمية تعرف مسبقا أي ظل سيعجبه.

أما العرب، فقد عرفوا منذ قرون أن أخطر أنواع الأسر ليس أسر الجسد، بل أسر الإرادة. كان الجاحظ يسخر من الإنسان الذي يظن نفسه سيد رغباته، بينما هو عبد لعاداته. وكتب ابن خلدون أن الأسواق لا تنمو وحدها، بل تنمو معها الطبائع التي تصنعها. ولو رأى فلاسفة الإسلام اقتصاد المنصات، لقالوا إن السوق لم يعد ينتظر المشتري؛ بل صار يصنعه، ثم يرافقه، ثم يعيد تشكيله كل صباح. حتى أبو حيان التوحيدي، الذي كان يتأمل أحوال النفس، ربما كان سيبتسم بحزن وهو يرى النفس الحديثة وقد تحولت إلى ملف بيانات يتنقل بين الشركات أسرع مما يتنقل صاحبه بين المدن.

المفارقة الساخرة أن الإعلانات لم تعد تبحث عن جيوبنا. إنها تبحث عن انتباهنا. والانتباه، في القرن الحادي والعشرين، صار أثمن من النفط. فالنفط يستخرج مرة واحدة. أما انتباه الإنسان، فيمكن استخراجه آلاف المرات في اليوم. ولهذا لم تعد الشركات تبيع السلع فقط؛ إنها تبيع لحظات الشرود، وتشتري ثواني الفضول، وتستثمر في رفّة إصبع فوق شاشة زجاجية. لقد أصبح الإنسان منجمًا، لكن المعدن المستخرج منه ليس الذهب، بل التوقع. إنهم لا يريدون أن يعرفوا ما اشتريته بالأمس فحسب، بل ما ستشتهيه غدًا قبل أن يخطر ببالك. وليس «Utiq» سوى اسم جديد لحكاية قديمة. فكل إمبراطورية تبدأ بإحصاء الناس.

الإمبراطوريات القديمة كانت تعدّ الرؤوس لتجمع الضرائب. أما الإمبراطوريات الرقمية فتعدّ النقرات لتجمع الأرباح. الوسيلة تغيرت، أما الفلسفة فبقيت كما هي: المعرفة قوة، ومن يعرفك أكثر، يملك قدرة أكبر على توجيهك. لكن الجديد أن السلطة لم تعد تطرق باب البيت. لقد انتقلت إلى داخل الهاتف، حيث نحمله بإرادتنا، ونشحنه كل ليلة كما لو كنا نمد آلة بدمائنا اليومية. ومع ذلك، فإن اتهام التكنولوجيا وحدها يشبه اتهام المرآة لأنها تعكس الوجه. المشكلة ليست في الأداة وحدها، بل في الاقتصاد الذي يحوّل كل شيء إلى سلعة. الصديق سلعة. الوقت سلعة. الذكريات سلعة. والقلق نفسه أصبح سلعة، لأن الإعلان يعرف أن الإنسان القلق يشتري أكثر. لقد نجحت الرأسمالية الرقمية في اكتشاف منجم لم يخطر لماركو بولو ولا لكولومبوس: النفس البشرية.

لعل أكثر ما يثير الرعب ليس أن هناك من يتعقبنا. بل أن التعقب أصبح يبدو طبيعيا. صرنا نوافق على الشروط الطويلة كما يوقع الغريق على عقد مع البحر. نضغط «أوافق» لأن الوقت أغلى من القراءة، ثم نكتشف أن ما وفرناه من ثوانٍ دفعناه سنوات من الخصوصية. ربما لن تكون معركة المستقبل بين الإنسان والآلة. بل بين الإنسان وصورته الرقمية. بين الكائن الذي يعيش، والكائن الذي يحسب. وبين الحرية التي نشعر بها، والحرية التي تسمح بها الخوارزمية. وعندها سيصبح السؤال الفلسفي القديم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: من يملك الإنسان؟ ولعل الإجابة، في زمن البيانات، أشد قسوة مما تخيله القدماء. فقد لا يملكنا أحد بالكامل…لكن الجميع يريد أن يستأجر جزءًا صغيرًا من وعينا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *