لماذا تتجمد الحيوانات ولا يتوقف البشر؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

ليس أكثر غرابة من غزال يتجمد أمام الضوء، إلا إنسان يركض نحوه. العلم يسمي ما يفعله الحيوان «التجمد الدفاعي». يشرح لنا علماء الأعصاب أن الدماغ، حين يستشعر خطرا، لا يختار دائمًا الهرب أو القتال. أحيانا يختار الصمت. يصبح الجسد تمثالا، لأن الحركة قد تكون إعلانا مجانيا للموت. لكن السؤال الذي لا يطرحه علماء الأحياء هو: لماذا لم يعد الإنسان الحديث يعرف كيف يتجمد؟ لقد ورثنا من أسلافنا الجهاز العصبي نفسه، غير أننا فقدنا حكمة استخدامه. صرنا نتحرك باستمرار، لا لأن الحركة نجاة، بل لأن السوق أقنعنا بأن السكون جريمة. إن العولمة لا تخاف الإنسان المتوقف. إنها تخاف الإنسان الذي يفكر.

في الغابة، يتوقف الأرنب عن الحركة كي لا يراه الثعلب. أما في المدينة، فيتحرك الإنسان بلا توقف كي تراه الخوارزميات. يا لها من مفارقة تستحق أن يضحك عليها التاريخ. لقد أصبح الاختفاء، الذي كان فضيلة بيولوجية، خطيئة اقتصادية. كلّما ظهرت أكثر، ربحت المنصات أكثر. كلّما نشرت صورا أكثر، عرفت عنك أكثر. كلّما تحركت بين التطبيقات، ازدادت قيمتك التجارية. لقد تحول الإنسان إلى حيوان لا ينجو إلا إذا بقي مرئيا. والرؤية هنا ليست نعمة. إنّها وسيلة جرد.

كان الحيوان، عبر ملايين السنين، يتعلم أن أقل حركة قد تقتله. أما نحن، فقد تعلمنا أن أقل حركة قد لا تحقق عددا كافيا من الإعجابات. لقد استبدلنا الغابة بشبكات التواصل، واستبدلنا المفترسات بالمؤشرات الرقمية، واستبدلنا البقاء البيولوجي بالبقاء الإعلامي. الذئب القديم كان يريد لحم الغزال. أما الذئب الحديث، فيريد انتباهك. والعجيب أن الثاني أكثر جوعا. تخيل, قارئي الكريم, مدينة ديستوبية لا تعاقب من يصرخ، بل من يصمت. لا تطارد من يهرب، بل من يختفي. مدينة, فيها المواطنة بعدد الساعات التي تقضيها أمام الشاشة، ويعدّ التفكير الطويل سلوكا مريبا، ويصبح التأمل نوعا من التهرب الضريبي ضد اقتصاد الانتباه. هذه ليست رواية خيال علمي. إنّها ملامح عالم يتشكل أمامنا. العولمة لم تكتف بتوحيد الأسواق. لقد حاولت توحيد الإيقاع الداخلي للبشر. أن نستيقظ معا. ونشتري معا. ونغضب معا. وننسى معا. حتى الخوف نفسه صار يُدار بخوارزمية.

السخرية تبلغ ذروتها عندما نكتشف أن الغزال أكثر حكمة من كثير من السياسيين. الغزال، عندما يشعر بالخطر، يقلل حركته. أما الدول، فعندما تشعر بالخطر، تزيد ضجيجها. ترفع الميزانيات العسكرية. وتكثر المؤتمرات الصحفية. وتنتج مزيدا من الخطابات الوطنية. كأن الضوضاء أصبحت بديلا عن الحكمة. في الطبيعة، الحركة الزائدة تجذب المفترس. وفي السياسة، التصريحات الزائدة قد تجذب الحروب. لو كانت الحيوانات تعقد قمما دولية، لربما خرجت بقرار بسيط: “إذا لم تكن مضطرا للحركة، فلا تتحرك.” أما البشر، فيعقدون القمم ليعلنوا أنهم يريدون السلام، ثم يغادر كل وفد وفي حقيبته قائمة جديدة من الأسلحة. حتى الحمامة، رمز السلام، لو حضرت بعض اجتماعاتنا، لربّما طلبت تغيير رمزها الرسمي.

ليست المشكلة أن الإنسان فقد غريزة التجمد. بل أنه فقد القدرة على التمييز بين الأخطار الحقيقية والأخطار المصنوعة. نخاف من الصمت أكثر من الضجيج. ومن الفراغ أكثر من الامتلاء. ومن العزلة أكثر من المراقبة. صرنا نفتح هواتفنا عشرات المرات في اليوم، كما لو كنا نتأكد أنّنا ما زلنا موجودين. أما الحيوانات، فهي لا تحتاج إلى إشعار إلكتروني لتعرف أنها حية. ربما لا تكون الحضارة هي أن نتحرك أسرع من الغزال. بل أن نعرف، مثله، متى يجب أن نتوقف. فالحيوان يتجمد لينجو من الموت. أما الإنسان الحديث، فلو تجرأ على التوقف قليلا، ربما نجا من شيء أشد تعقيدا… من عالم يريده أن يبقى في حركة دائمة، لا لأنه يحيا، بل لأنه يستهلك. وربما يكون السؤال الأكثر إزعاجا في القرن الحادي والعشرين ليس: لماذا تتجمد الحيوانات؟ بل: لماذا لم يعد البشر يعرفون كيف يتوقفون، ولو لدقيقة واحدة، قبل أن يندفعوا نحو الضوء الذي يشبه الخلاص… بينما يخفي، في آخره، فخا آخر؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *