حين يكتب أبناء المغرب التاريخ

بقلم الإعلامي حيمري البشيركوبنهاغن-الدنمارك

ليست كل البطولات تختزل في كأس ترفع أو ميدالية تعلّق. فهناك انتصارات تصنع مجد الأمم، وتعيد تشكيل صورتها في أعين العالم، وتغرس في نفوس أبنائها الإيمان بأن الأحلام الكبرى لا تتحقق إلا بالإرادة والعمل والتخطيط. هكذا يواصل المغرب كتابة فصول جديدة من تاريخه الرياضي، وهو يشق طريقه بثبات وثقة بين كبار العالم، مؤكدا أن ما يحققه المنتخب الوطني ليس ضربة حظ، ولا إنجازا عابرا، بل ثمرة رؤية بعيدة المدى، واستثمار متواصل في الإنسان، وإيمان راسخ بأن المستقبل تصنعه الكفاءات.

وبينما توقفت مسيرة معظم المنتخبات الإفريقية، واصل أسود الأطلس مشوارهم بكل استحقاق، ينافسون بشرف، ويقدمون كرة قدم راقية، عنوانها الانضباط والروح الجماعية والقتال حتى آخر دقيقة، بعيدا عن الأعذار أو البحث عن امتيازات، ليؤكدوا أن المجد لا يهدى، بل ينتزع بالعرق والتضحية. لقد أصبح المنتخب المغربي مدرسة في الوطنية قبل أن يكون مدرسة في كرة القدم. فمعظم لاعبيه من أبناء مغاربة العالم، ولدوا وترعرعوا خارج أرض الوطن، لكنهم ظلوا أوفياء لهويتهم المغربية، يحملون الوطن في قلوبهم قبل أن يحملوا قميصه على أكتافهم. أثبتوا للعالم أن الانتماء الحقيقي لا تحدده الجغرافيا، وإنما تصنعه التربية، وتغذيه القيم، ويترجمه الوفاء.

ولذلك لم يعد اسم المغرب يتردد فقط في الملاعب، بل أصبح حاضرا في وسائل الإعلام العالمية، وفي أحاديث الجماهير، وفي ذاكرة الأطفال والكبار عبر القارات الخمس. وأصبحت الراية المغربية، الحمراء تتوسطها النجمة الخضراء، رمزا للفخر والنجاح، ترفرف في كل مكان، ويحملها الملايين بإعجاب واحترام. وليس هذا النجاح الرياضي إلا صورة مصغرة لما يعيشه المغرب من دينامية في مختلف المجالات. فالمغرب يمضي بخطى واثقة نحو المستقبل، مستندا إلى رؤية ملكية حكيمة، وإرادة وطنية صلبة، وعزيمة رجال ونساء يؤمنون بأن خدمة الوطن شرف ومسؤولية، وأن التنمية الحقيقية تبدأ ببناء الإنسان وإطلاق طاقاته.

غير أن هذا الإنجاز الكبير يحمل في طياته رسالة سياسية ووطنية بليغة، ينبغي أن تلتقطها كل المؤسسات، وكل الأحزاب السياسية التي تستعد لخوض الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. فالذين رفعوا راية المغرب عاليا في أكبر المحافل الدولية، وأبهروا العالم بكفاءتهم وانضباطهم، هم في غالبيتهم أبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج. أليس من حق هؤلاء، وهم الذين يدافعون عن صورة وطنهم في كل المحافل، أن يكونوا شركاء كاملين في صناعة مستقبله؟ أليس من الإنصاف أن يُفتح أمامهم باب المشاركة السياسية والتمثيلية داخل المؤسسات المنتخبة، وأن يمكّنوا من ممارسة حقوقهم الدستورية كاملة غير منقوصة؟

إن مغاربة العالم ليسوا مجرد مصدر للتحويلات المالية، ولا مجرد سفراء غير رسميين للمملكة، بل هم ثروة وطنية واستراتيجية، يحملون خبرات عالمية، وكفاءات عالية، وتجارب متنوعة، يمكن أن تشكل قيمة مضافة حقيقية لمسار التنمية والديمقراطية والإصلاح. إنهم لا يطالبون بامتيازات خاصة، وإنما بحق دستوري أصيل، يتمثل في المشاركة في الحياة السياسية، والمساهمة في صنع القرار، وتمثيل صوت ملايين المغاربة الذين يعيشون خارج أرض الوطن، لكن قلوبهم لا تزال تنبض بحب المغرب، وولاؤهم له لا يتغير مهما ابتعدت المسافات.

لقد أثبت أبناء الجالية، في الرياضة والاقتصاد والبحث العلمي والثقافة وريادة الأعمال، أنهم قادرون على رفع اسم المغرب عاليًا. واليوم، ينتظرون أن يكتمل هذا الاعتراف بفتح أبواب المشاركة أمامهم، لأن بناء الوطن مسؤولية جماعية، لا تستثني أحدا من أبنائه. إن المغرب الذي أدهش العالم بإنجازاته الرياضية، قادر أيضا على أن يقدم نموذجا ديمقراطيا متقدما، يعزز العدالة الاجتماعية، ويحارب الفساد، ويربط المسؤولية بالمحاسبة، ويجعل كل المغاربة، داخل الوطن وخارجه، شركاء حقيقيين في بناء المستقبل.

سيظل الحلم المغربي يكبر مع كل إنجاز، وستظل راية الوطن خفاقة في سماء العالم، لأن أمة تؤمن بقدرات أبنائها، وتحافظ على وحدتها، وتستثمر في كفاءاتها، لا يمكن إلا أن تواصل صناعة التاريخ، وترسيخ مكانتها بين الأمم. وإذا كان أسود الأطلس قد وحدوا قلوب المغاربة خلف راية واحدة، فإن المرحلة المقبلة تستدعي توحيد الجهود أيضا من أجل مغرب أكثر عدالة، وأكثر مشاركة، وأكثر إشعاعا، لأن الأوطان العظيمة لا تبنى بالانتصارات الرياضية وحدها، وإنما تبنى أيضا بالديمقراطية، والإنصاف، وإشراك جميع أبنائها في صناعة المستقبل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *