بقلم د. زكية لعروسي رئيسة تحرير جريدة الورقاء
هناك فنانون يصنعون الصور، وهناك من تصنعهم الصورة نفسها. وهناك، في مرتبة أعلى، أولئك الذين لا يلتقطون الوجوه، بل يحرّرون الأرواح من سجن الجسد، ويتركونها معلقة بين الضوء والعتمة، بين الحياة والموت، بين الذاكرة والخلود. في هذه المرتبة الشاهقة يقف المصور المغربي بوعبيد المكناسي، لا بوصفه مصوّرا فوتوغرافيا فحسب، بل بوصفه ناسكا في محراب الضوء، وكاهنا للظل، ونحّاتا لا يستعمل الرخام، بل الزمن نفسه.
حين تلتقي بوعبيد المكناسي لأول مرة، يخيل إليك أنك أمام رجل يقتصد حتى في الكلام. صمته ليس عزلة، وإنما حكمة. ليس انغلاقا، وإنما امتلاء. إنه من أولئك الذين آثروا أن تتكلم أعمالهم بدل أن تتكلم ألسنتهم. يختبئ خلف حيائه كما تختبئ الينابيع في أعماق الجبال؛ لا تسمع، لكنها تمنح الحياة لكل ما حولها. غير أن المفاجأة تبدأ لحظة تدخل إلى معرضه. هناك يسقط الصمت كله، وتبدأ الصور في الحديث.

في معرضه الأخير بـدار المغرب في المدينة الجامعية الدولية بباريس، لم أشاهد معرضا فوتوغرافيا بالمعنى التقليدي للكلمة، بل دخلت إلى كاتدرائية من الوجوه. كانت الجدران تصلي بالأسود والأبيض. كانت العيون تنظر إليك كما لو أنها خرجت لتوها من زمن آخر، وكأن كل صورة نافذة فتحت بين الأرض والذاكرة. كم هو مخادع ذلك الأبيض والأسود. يظنه البعض اختزالا للألوان، بينما هو، عند بوعبيد المكناسي، انفجار لكل الألوان التي لا تراها العين. الأبيض عنده ليس لونا، بل تنفس الروح، والأسود ليس عتمة، بل رحم تولد منه الحكايات. ذلك هو الفارق بين من يحمل كاميرا، ومن يحمل رؤية.

بوعبيد لا يصور الوجوه، بل يصور ما تبقى منها بعد أن يغادرها الزمن. لذلك ترى في صورة واحدة الشيخ والطفل، البداية والنهاية، الضحكة التي أوشكت أن تصبح دمعة، والدمعة التي استعادت ابتسامتها. كأن الموت والحياة عقدا هدنة قصيرة داخل إطار واحد. رأيت هناك عبد الهادى بلخياط، والشيخة الحمداوية، وحبيبة المدكوري، وفنانين ومثقفين وكتابا وسياسيين، بعضهم ما يزال يعانق الحياة، وبعضهم غادرها منذ زمن. لكن المفارقة أن الراحلين كانوا أكثر حياة مما نتخيل، لأن الصورة، حين يصنعها فنان حقيقي، تصبح انتصارا على الفناء.

لقد أدرك بوعبيد المكناسي ما لم يدركه كثيرون: أن الصورة ليست وثيقة، وإنما قدر. ولهذا السبب، فإن أعماله تستدعي إلى الذاكرة كبار سحرة الصورة في العالم. فيها من عمق يوسف كارش ما يجعل الوجه سيرة كاملة، وفيها من شاعرية هنري كارتييه-بريسون تلك اللحظة التي لا تتكرر، وفيها من صمت إرفينغ بن قدرة نادرة على تجريد الإنسان من ضجيج العالم ليبقى وجهه وحده يتكلم. لكن بوعبيد لا يقلد أحدًا؛ إنه يكتب لغته الخاصة، لغة مغربية خالصة، خرجت من طين فاس ومكناس، ومن ذاكرة المدن العتيقة، ومن التجاعيد التي حفرتها الشمس في وجوه الناس.

إنه لا يلتقط الضوء، بل يروضه. ولا يصنع الظل، بل يقنعه بأن يصبح موسيقى. كل صورة عنده تشبه منحوتة لمايكل أنجلو لو أنه استبدل الإزميل بعدسة، أو لوحة لرمبرانت لو أنها خرجت من إطارها لتتنفس. الكاميرا بين يديه لا تعمل كآلة، وإنما ككائن حيّ يمتلك نبضا وضميرا. بل أكاد أقول إن عدسته ليست زجاجا، وإنما عين ثالثة، ترى ما تعجز العين البشرية عن احتماله. ما أبهرني في هذا المعرض أنني لم أكن أتنقل بين صور، وإنما بين أعمار كاملة. كنت أمر من إطار إلى إطار كما لو أنني أعبر قارات من الذاكرة المغربية. هنا فنان حمل وطنًا في ابتسامته، وهناك كاتب خبأ مكتبته في تجاعيد جبينه، وهناك امرأة تشع من ملامحها قصيدة كاملة. إنها ليست بورتريهات. إنها سير ذاتية مكتوبة بالضوء.

وقد أدركت، وأنا أطيل الوقوف أمام تلك الأعمال، أن بوعبيد المكناسي لا يصور الأشخاص كما هم، وإنما كما يستحقون أن يُتذكّروا. وهذه أعلى درجات الفن. الفنان الحقيقي لا يسرق اللحظة؛ يمنحها الخلود. ولعل هذا هو السر الذي يجعل المتلقي يقف طويلا أمام صوره، غير قادر على المغادرة. فكلما هممت بالرحيل، أعادتك عين في صورة، أو تجعيدة تحمل قصة، أو ابتسامة تؤجل النهاية. بوعبيد المكناسي ليس مجرد مصور مغربي بارع، بل واحد من أولئك النادرين الذين يثبتون أن الصورة يمكن أن تكون فلسفة، ويمكن أن تكون شعرا، ويمكن أن تكون صلاة صامتة. إنه لا يصنع أرشيفا للوجوه، بل يبني ذاكرة أمة. وحين ينطفئ الضوء في قاعة المعرض، وتغادر الأقدام المكان، تبقى تلك الوجوه معلقة في الروح، تواصل النظر إلينا، وتهمس بما لا تستطيع الكلمات أن تقوله. ذلك لأن الفنان الكبير لا يلتقط صورة للإنسان… بل يمنح الإنسان فرصة ثانية كي يهزم الزمن.
📲 Partager sur WhatsApp
الصورة، بما أنها ضوء ، هي مثل لغة الفن التشكيلي، لغة وميض تكشف ما لا يمكن للكلمة أن تقوله، الصورة لغة إظهار لا لغة تعبير، لغة انكشاف لنداء كيفية في الوجود، وليس مجرد ترجمة. أو قل هي ” تحرير” لما لم يقل بعد.