بقلم عبد الله شوكاكاتب وصحافي – المغرب
يبدو أن اسم “زناتة” صار منذ سنوات طويلة عنوانا لمشروع مؤجل أكثر مما هو فضاء حضري في طور التشكل. مدينة إيكولوجية وُعد بها السكان، ورُسمت لها على الورق ملامح حداثة خضراء، لكن ما على الأرض يروي حكاية أخرى، أقل انسجاما مع لغة الخطط وأكثر التصاقا بواقع يومي مربك. فمنطقة زناتة وعين حرودة، حين يتجول فيها الزائر، لا تستقبله صورة المدينة المستقبلية بقدر ما تواجهه طبقات متراكمة من الانتظار. مشاريع سكنية متفرقة هنا وهناك، نشأت في سياق إعادة إسكان قاطني دور الصفيح، لكنها لم تنجح بعد في إنتاج نسيج حضري متماسك، قادر على تحويل المجال إلى مدينة بالمعنى الكامل للكلمة.
بين العمران غير المكتمل والطرقات التي تبدو وكأنها خارج زمن الصيانة، تتشكل ملامح فضاء لا يزال يبحث عن هويته الحضرية. أحياء تشتغل فيها الحياة على إيقاع الفوضى، إنارة غائبة في بعض النقاط، وأسواق عشوائية تمتد بلا تخطيط واضح، وكأن المجال يدار بمنطق الضرورة اليومية لا بمنطق التخطيط المسبق. وفي هذا المشهد، تفرض الكلاب الضالة وجودها كعنصر دائم في المشهد العام، إلى جانب حمير تتجول أو تربط بعربات نقل تقليدية، في صورة تعيد إلى الذاكرة أطوارا سابقة من العيش القروي داخل مجال يفترض أنه في طريقه إلى التحول الإيكولوجي. المفارقة هنا ليست في وجود هذه الكائنات بحد ذاتها، بل في التناقض الصارخ بين خطاب “المدينة الخضراء” وواقع لم يغادر بعد منطق البدايات غير المكتملة.

الطريق الرابطة بين دوار الحجر والحي الصناعي لعين السبع تكفي وحدها لتلخيص هذا التوتر؛ مسلك أقرب إلى أثر جغرافي منه إلى بنية تحتية، يختزل فجوة واضحة بين المشاريع المعلنة وإيقاع التنفيذ على الأرض. وإذا كان البعض يستحضر المقولة الشهيرة “وما نيل المطالب بالتمني”، فإنها تبدو هنا وكأنها تلخص علاقة طويلة بين الوعود التنموية وسرعة تحققها. وعود سابقة لم تقتصر على زناتة وحدها، بل امتدت إلى الدار البيضاء الكبرى التي رُسم لها أكثر من مرة حلم التحول إلى “دبي إفريقية”، بينما الواقع ظل أقرب إلى مدينة تكافح لتوازن بين ضغط التوسع السكاني وإكراهات البنية التحتية.

المسألة في عمقها ليست مقارنة بين مدن، ولا استدعاء لصورة مثالية في مواجهة أخرى واقعية، بقدر ما هي سؤال عن الزمن التنموي: لماذا تتأخر المشاريع عن وعودها؟ ولماذا تتحول بعض المخططات إلى آفاق مفتوحة بلا نهاية واضحة؟ في انتظار الجواب، تبقى زناتة عالقة بين خطاب المدينة الإيكولوجية وبين ملامح مجال حضري لم يكتمل بعد. فضاء تتحرك فيه الحياة اليومية بسرعة، بينما تتقدم المشاريع الكبرى ببطء لا يوازي حجم الانتظارات. ويبقى السؤال مفتوحاً، لا بوصفه احتجاجاً فقط، بل بوصفه دعوة لإعادة التفكير في علاقة التخطيط بالإنجاز، وفي معنى أن تعلن مدينة قبل أن تولد فعلياً.
📲 Partager sur WhatsApp