الفنّ السينمائي و برج إيفل؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

ليست المسألة أن تعرض أفلام داخل برج إيفل. فالأفلام عرضت في الصحارى، وعلى جدران القلاع، وفوق السفن، وحتى في قلب الغابات. الجديد ليس المكان، بل المعنى. لأن برج إيفل لم يكن يوما مجرد هيكل من الحديد، بل كان استعارة عملاقة لفكرة فرنسا نفسها؛ دولة أرادت أن تقنع العالم بأن الحديد يمكن أن يصبح شعرا، وأن الهندسة تستطيع أن تتحول إلى فلسفة، وأن المعدن، إذا لامسته المخيلة، يصبح أكثر دفئا من الحجر. ولهذا، فإن تحويل هذا الرمز إلى فضاء للسينما لا ينبغي أن يقرأ بوصفه خبرا ثقافيا ، بل بوصفه علامة على التحول العميق الذي أصاب الحضارة الغربية في علاقتها برموزها.

كان الإنسان قديما يصعد إلى الأبراج ليرى العالم. واليوم يصعد إليها ليشاهد فيلما عن العالم. أي مفارقة هذه؟ هل ارتفع الفنّ إلى مستوى البرج، أم هبط البرج إلى مستوى الفرجة؟ ذلك هو السؤال الذي يختبئ خلف التصفيق. برج إيفل، منذ ولادته في معرض باريس سنة 1889، عاش أكثر من حياة. سخر منه الأدباء أول الأمر، ثم صار أيقونة للعشق، ثم تحوّل إلى بطاقة بريدية، ثم إلى علامة تجارية، ثم إلى صورة تتكرر ملايين المرات حتى كادت تفقد دهشتها. وهنا تبدأ المعضلة. فالرموز العظيمة لا تموت عندما تهدم، بل تموت عندما تصبح مألوفة. والحضارات الذكية تعرف أن الرمز إذا توقف عن إنتاج الدهشة، وجب اختراع دهشة جديدة حوله. من هنا يمكن فهم “سينما باراديسو” لا بوصفها مهرجانا فنيا فقط، بل بوصفها محاولة لإنقاذ الرمز من الاعتياد. فالإنسان لا يعود إلى المكان لأنه جميل فقط، بل لأنه يعده بتجربة لم يعشها من قبل. لكن ثمة سؤالا أكثر قسوة يفرض نفسه. هل هذه مغامرة ثقافية خالصة؟ أم أن الثقافة نفسها أصبحت مطالبة بأن تحقق عائدا اقتصاديا كي تبرر وجودها؟

لقد تغيرت وظيفة المعالم التاريخية. لم تعد مجرد ذاكرة وطنية، بل أصبحت أصولا اقتصادية. المدينة الحديثة لا تكتفي بأن تمتلك التاريخ؛ إنها تستثمره. وكل حجر شهير صار مطالبا بأن يعمل، وأن يجذب الزوار، وأن يصنع الصور، وأن ينعش الفنادق والمطاعم وشركات الطيران ومنصات التواصل. بهذا المعنى، لم يعد برج إيفل نصبا تذكاريا فقط، بل مؤسسة اقتصادية هائلة. والسينما، في المقابل، لم تعد مجرد فن سابع، بل أصبحت صناعة خبرة. الناس اليوم لا يشترون الفيلم وحده، بل يشترون المكان الذي يشاهدونه فيه، واللحظة التي يلتقطونها، والصورة التي سينشرونها، والإحساس بأنهم عاشوا حدثا لا يتكرر. لقد دخلنا عصرا لم تعد فيه الثقافة تستهلك، بل تصمَّم بوصفها تجربة كاملة. وهنا يلتقي الفن بالسياحة، ويلتقي التاريخ بالتسويق، ويلتقي الجمال بالاقتصاد دون أن يشعر أحد بموعد هذا اللقاء. لكن هل في ذلك خيانة للرمز؟

ربما يكون الجواب أكثر تعقيدا. فالبرج الذي نعدّه اليوم مقدسا، كان في زمن بنائه مشروعا صاخبا أثار غضب كبار الفنانين، ورأى فيه كثيرون تشويها لباريس. الزمن وحده هو الذي حوّل الحديد إلى أسطورة. وهذا يدفعنا إلى التساؤل: ألسنا نكرر الخطأ نفسه كلما خفنا من تغيير وظيفة الرموز؟ ربما ليست المشكلة في أن يتحول برج إيفل إلى قاعة سينما، بل في أن نفقد القدرة على التمييز بين إحياء الرمز واستهلاكه. فالفرق شاسع بين أن تمنح المكان حياة جديدة، وبين أن تحوله إلى سلعة موسمية. وإذا كانت السينما هي الفن الذي منح الصورة روحا، فإن السؤال اليوم هو: من يمنح الروح للصوّر التي نصنعها نحن؟

لقد أصبحت المدن الكبرى تتنافس على صناعة “الحدث” أكثر من صناعة “المعنى”. والحدث يلمع بسرعة، أما المعنى فيحتاج إلى زمن وصبر وتأمل. فهل سيكون عرض الأفلام في برج إيفل احتفالا بانتصار الفن السابع؟ أم سيكون إعلانا عن مرحلة جديدة، يصبح فيها كل أثر تاريخي منصة للترفيه، وكل ذاكرة قابلة لإعادة التغليف، وكل رمز مستعدا لأن يعيد اختراع نفسه كي يبقى حيا؟ ربما لا يحمل شهر سبتمبر جوابا نهائيا. لكنه سيضع أمام العالم مرآة نادرة: مرآة يرى فيها كيف تتفاوض الحضارة مع ذاكرتها، وكيف يحاول الاقتصاد أن يستعير لغة الفن، وكيف يحاول الفن، بدوره، أن يقاوم خطر التحول إلى مجرد منتج سياحي. وفي النهاية، سيظل برج إيفل واقفا كما كان دائمًا، لا لأنه مصنوع من الحديد، بل لأنه مصنوع من قدرة الإنسان العجيبة على تحويل الأشياء إلى رموز، ثم تحويل الرموز إلى أسئلة لا تنتهي.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “الفنّ السينمائي و برج إيفل؟

  1. الشيء، في معناه الأنطولوجي، أي شيء، ليس شيئا ببعده المادي، بل بالصلابة التي يحملها المعنى من وجوده، بالنسبة للإنسان. الشيء ليس شيئا إلا بالكيفية التي ينفتح بها الإنسان عليه.
    أما في سياق مقالكم، نؤكد أن مفهوم الشيءية تغير بحيث تم إخضاع كل شيء لمنطق الزمن الراهن، زمن السياحة والفرحة والعائد الإقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *