بقلم زكية لعروسي, باريس
لم يعد ملعب كرة القدم مكانا بين المرمى والمرمى، بل مسافة بين السلطة والقانون، بين الرغبة والمؤسسة، بين الإنسان الذي يملك القوة، والمؤسسة التي ينبغي ألا تملك سيدا. ليست القصة في بطاقة حمراء رُفعت في وجه مهاجم أمريكي، ولا في اتصال هاتفي بين رئيس دولة ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم. تلك تفاصيل صغيرة يلتقطها الخبر، أما التاريخ فيلتقط ما هو أبعد: اللحظة التي خرجت فيها السياسة من القصر، مرتدية حذاء لاعب كرة قدم، ودخلت العشب الأخضر وهي تظن أن قوانين الدولة تستطيع أن تكتب قوانين اللعبة.
كرة القدم هي أكثر الاختراعات البشرية ديمقراطية. فالعشب لا يسأل اللاعب عن جواز سفره، والمرمى لا يميز بين الفقير والثري، والكرة لا تعرف اللغة التي يتحدثها من يركلها. وحدها القواعد تمنح الجميع مساواة مؤقتة، كأنّ المستطيل الأخضر جمهورية صغيرة استعارت من أفلاطون حلم العدالة، ومن الأطفال براءة اللعب. لكن السلطة، منذ فجر التاريخ، لا تحب وجود فضاء لا يخضع لها. الإمبراطور الروماني كان يريد أن يحكم المسرح كما يحكم الجيوش. وملوك أوروبا أرادوا امتلاك الكنيسة كما امتلكوا الضرائب. أما في العصر الحديث، فقد أصبحت الرياضة آخر المسارح الكبرى التي تمنح الزعيم فرصة الظهور أمام ملايين البشر دون أن يخوض حربا.

هنا يصبح الاتصال الهاتفي أكثر من مجرد مكالمة. إنه إعلان غير مكتوب بأن السياسة ما زالت تؤمن أن الهاتف يستطيع أحيانا أن يكون أقوى من صافرة الحكم. سواء أثّر الاتصال في القرار أم لم يؤثر، وسواء كان مجرد طلب أو محاولة ضغط أو تعبيرا عن رأي، فإن رمزيته أكبر من نتائجه. فالمؤسسات بقدرتها على أن تبدو بعيدة عن النفوذ. العدالة ليست أن تكون عادلة فقط؛ بل أن يصدق الناس أنها كذلك. هذه هي المعضلة التي تواجهها الفيفا منذ سنوات. كلما ازدادت كرة القدم ثراء، ازدادت هشاشتها السياسية.
المونديال لم يعد بطولة رياضية فحسب، بل صار سوقا كونيا، ومنصة اقتصادية، ومسرحا للدبلوماسية، ووسيلة لإعادة تشكيل صورة الدول. ولذلك فإن كل قرار تحكيمي أصبح يحمل في داخله احتمالا بأن يقرأ بوصفه قرارا سياسيا، حتى لو كان فنيا خالصا. أما دونالد ترامب، فهو لا يتعامل مع السياسة بوصفها إدارة للمؤسسات، بل بوصفها إدارة للمشهد. إنه رجل يعرف أن الكاميرات هي السلطة الجديدة، وأن الرواية قد تكون أحيانا أهم من الحقيقة نفسها. لذلك حين يقول إنه لم يكن يعرف معنى البطاقة الحمراء، ثم يتحول إلى ناقد للحكم، فإنه لا يخاطب خبراء التحكيم، بل يخاطب جمهورا أوسع، جمهورا يحب الحكايات البسيطة التي تقسم العالم إلى ظالم ومظلوم. وفي هذا تكمن عبقريته السياسية، كما تكمن خطورتها أيضا.

إن تحويل كل قضية إلى قصة شخصية يمنح الزعيم قربا من الناس، لكنه في الوقت نفسه يذيب الحدود بين الدولة والفرد، وبين المؤسسة والمزاج، وبين القانون والانطباع. الفيلسوف مونتسكيو كتب قبل قرون أن السلطة يجب أن توقف السلطة. أما القرن الحادي والعشرون فيضيف سؤالا آخر: من يوقف السلطة عندما تدخل الملعب؟ ربما لن تغيّر هذه الواقعة نتائج كأس العالم، لكنها تترك أثرا أعمق من نتيجة مباراة. إنها تذكّر العالم بأن الرياضة، مهما ادعت حيادها، أصبحت جزءا من الجغرافيا السياسية. وأن المستطيل الأخضر لم يعد معزولا عن البيت الأبيض، ولا عن الكرملين، ولا عن الإليزيه، ولا عن الأسواق، ولا عن الشاشات التي تصنع الرأي العام. ويبقى السؤال الذي لن تجيب عنه الفيفا ولا الرؤساء: هل تستطيع كرة القدم أن تظل اللعبة الأكثر عدلا في العالم، إذا أصبحت العدالة نفسها تتلقى الاتصالات؟ ذلك السؤال، لا البطاقة الحمراء، هو الذي سيبقى معلقا في ذاكرة هذه البطولة.
📲 Partager sur WhatsApp