بقلم الإعلامي حيمري البشير ,كوبنهاغن-الدنمارك
لم تخلق كرة القدم لتكون ساحة لتصفية الحسابات السياسية، ولا منصة لإحياء الأحقاد التاريخية، ولا وسيلة لإثارة النعرات بين الشعوب. لقد وجدت لتكون لغة عالمية يتحدثها الجميع، حيث تمتزج المهارة بالإبداع، والتنافس بالاحترام، والانتصار بالتواضع، والهزيمة بكرامة الرياضيين. غير أن ما نشهده في السنوات الأخيرة يدعو إلى القلق. فكل بطولة كبرى، وكل مباراة ذات حساسية جماهيرية، تتحول في بعض الأحيان من عرس رياضي إلى ساحة للتراشق الإعلامي، ومن منافسة فوق المستطيل الأخضر إلى مواجهة خارج حدوده، تتداخل فيها الحسابات السياسية مع المشاعر الوطنية، فتفرغ الرياضة من رسالتها الإنسانية النبيلة.
إن كرة القدم لا ينبغي أن تكون أداة في يد أي مسؤول سياسي، مهما علا منصبه، لتوجيه رسائل تستهدف تأجيج المشاعر أو التشكيك في الخصم أو زرع الكراهية بين الشعوب. فالسياسة لها منابرها، والدبلوماسية لها قنواتها، أما الملاعب فقد شيدت لتكون فضاءات للفرجة، وللاحتفاء بالإبداع الرياضي، ولتعزيز التقارب بين الأمم. ففي تسعين دقيقة، لا يقاس تفوق الشعوب، ولا تكتب أحكام التاريخ، وإنما يحسم لقاء رياضي بين فريقين، قد ينتصر فيه هذا اليوم من يخسر غدا، وقد يبتسم الحظ لهذا الطرف ثم ينحاز للطرف الآخر في مناسبة مختلفة. تلك هي طبيعة الرياضة، ولا عيب في الخسارة، كما لا ينبغي أن يتحول الفوز إلى شعور بالتفوق الحضاري أو الثقافي.
وقبيل المواجهة المرتقبة بين المنتخب المغربي والمنتخب الفرنسي، تتجدد الحاجة إلى خطاب العقل، وإلى استحضار القيم التي قامت عليها الرياضة الحديثة. فالمباراة، مهما بلغت أهميتها، تبقى منافسة بين منتخبين كبيرين، تجمع بينهما علاقات إنسانية ورياضية عميقة، كما أن آلاف اللاعبين من أصول مغربية تألقوا، وما زالوا يتألقون، في الملاعب الفرنسية، وأسهموا في صناعة مجد أندية ومنتخبات، بما يجعل من هذا اللقاء مناسبة للاحتفاء بالمواهب المشتركة، لا لإحياء الانقسامات. ولا ينسى أحد أن المنتخب المغربي، خلال مشاركته التاريخية في كأس العالم بقطر، غادر المنافسة بعد خسارته أمام فرنسا، لكنه خرج مرفوع الرأس، بعدما كسب احترام العالم بأدائه وروحه القتالية وأخلاقه الرياضية. واليوم، إذا تجدد اللقاء بين المنتخبين، فإن الفرصة سانحة لكتابة فصل جديد من المنافسة الشريفة، بعيدًا عن أي خطاب يستهدف إذكاء التوتر أو تغذية الاستقطاب.

لقد قدّمت الرياضة نماذج مشرقة في تقبل النتائج، كما حدث في مباريات كبرى شهدت احترامًا متبادلا بين المنتخبات والجماهير، حيث صافح المنتصر المهزوم، وغادر الخاسر الملعب مرفوع الرأس، مدركا أن الهزيمة ليست نهاية العالم، بل جزء أصيل من فلسفة المنافسة الرياضية. إن الجماهير المغربية والفرنسية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بإثبات أن عشق كرة القدم لا يتعارض مع احترام الآخر، وأن التشجيع الحماسي لا يعني السقوط في مستنقع التعصب أو الإساءة أو الكراهية. فالمباراة تنتهي مع صافرة الحكم، أما العلاقات بين الشعوب فتبقى أعمق وأطول من تسعين دقيقة. كرة القدم ستظل أجمل حين تبقى كرة تتدحرج فوق العشب، لا شرارة تشعل الفتن بين الأمم. وستظل قيمتها الحقيقية في قدرتها على جمع الشعوب حول شغف واحد، لا في تحويلها إلى وسيلة لتوسيع هوة الخلافات. وحين تنتهي المباراة، سيبقى الفائز جديرا بالتهنئة، وسيبقى الخاسر مستحقا للاحترام. أما المنتصر الحقيقي، فهو الرياضة نفسها، عندما تنتصر فيها الأخلاق على التعصب، والعقل على الانفعال، والإنسان على كل أشكال الكراهية.
📲 Partager sur WhatsApp