بقلم زكية لعروسي, باريس
في فجر التاريخ السياسي للمغرب الإسلامي، حيث كانت الجبال تحفظ أسرار الثورات، والقبائل تصنع ملوكها قبل أن تصنعها السيوف، ظهر اسم الأدارسة كظاهرة لم تكن مجرد حركة حكم، بل كانت انشقاقا تاريخيا عميقا عن مركز الخلافة العباسية. لقد ولد هذا البيت من رحم مأساة آل البيت، لكنه سرعان ما تحوّل إلى دولة ذات مشروع سياسي مغربي مستقل. ومن هنا نشأ السؤال الذي ظل يطرق أبواب المؤرخين: هل كان الأدارسة شيعة أم سنة؟ وهل كانت حرب هارون الرشيد عليهم حرب عقيدة أم حرب سياسة؟
الأدارسة: شيعة النسب أم شيعة المذهب؟
ينحدر الأدارسة من إدريس الأول، وهو من نسل الحسن بن علي. وقد كان خروجه إلى المغرب بعد فشل ثورة وقعة فخ التي قام بها بعض العلويين ضد العباسيين. ولهذا السبب ارتبط اسم إدريس الأول بالتيار العلوي المعارض للعباسيين، وهو ما جعل بعض المؤرخين يصفون الأدارسة بأنهم “شيعة”. لكن كلمة الشيعة في ذلك العصر تحتاج إلى تدقيق. فليس كل من ناصر آل البيت كان بالضرورة شيعيا بالمعنى العقدي المتأخر. فقد كان هناك فرق بين:
– التشيع السياسي العلوي: أي الاعتقاد بأن آل البيت أحق بالخلافة أو أولى بالقيادة السياسية.
– التشيع المذهبي الإمامي: الذي يقوم على منظومة عقائدية محددة حول الإمامة المعصومة وتسلسل الأئمة.
والذي يظهر من دراسة أخبار الأدارسة أنهم كانوا أقرب إلى العلوية السياسية منهم إلى التشيع الإمامي. فقد أقاموا دولتهم على أساس النسب الشريف والشرعية العلوية، لكنهم لم يؤسسوا نظاما عقائديا إماميا مغلقا. بل إن الدولة الإدريسية في المغرب سرعان ما تكيّفت مع البيئة المغربية السنية المالكية، وأصبح مذهبها العملي أقرب إلى السنة منه إلى مذاهب الشيعة العقائدية.
صورة الأدارسة عند ابن أبي زرع في “الأنيس المطرب”
يقدم ابن أبي زرع الفاسي الأدارسة بوصفهم ملوكا من آل البيت، ويمنح مشروعهم شرعية تاريخية وروحية كبيرة. فهو لا ينظر إليهم كحركة مذهبية منشقة بقدر ما يراهم امتدادا للبركة النبوية في بلاد المغرب. في روايته، يظهر إدريس الأول لا كداعية عقيدة مذهبية، بل كأمير هارب من بطش العباسيين، وجد في المغرب ملجأ، ثم استطاع أن يجمع القبائل حوله. إن ابن أبي زرع يركز على عناصر ثلاثة:
1- شرف النسب: فالنسب الحسني هو مصدر شرعية إدريس.
2- القبول القبلي: فالقبائل المغربية لم تتبعه فقط لأنه علوي، بل لأنه استطاع بناء علاقة سياسية معها.
3- تأسيس المدينة والدولة: خصوصا بناء فاس، التي أصبحت رمزا لحضور إدريسي دائم في الذاكرة المغربية.
ومن خلال هذه الرواية يظهر أنّ الصراع مع العباسيين لم يكن مجرد خلاف مذهبي، بل صراع على معنى الشرعية: من يملك حق تمثيل الإسلام السياسي؟ العباسيون باسم الخلافة، أم العلويون باسم القرب من النبي؟
ابن خلدون: صراع العصبية والشرعية
أما ابن خلدون فيقدم رؤية أكثر تركيبا. فهو لا يقرأ قيام الدول من خلال العقيدة وحدها، بل من خلال تفاعل:
– العصبية القبلية
– الشرعية الدينية
– الظروف السياسية
وفي نظر ابن خلدون، كان قيام الدولة الإدريسية نتيجة اجتماع عنصرين:
العنصر الأول: الشرعية الدينية
وهي انتساب إدريس إلى البيت النبوي، الأمر الذي منحه مكانة روحية كبيرة في مجتمع مسلم يرى لآل البيت منزلة خاصة.
العنصر الثاني: العصبية المغربية
فقد وجد إدريس في قبائل أوربة وغيرها قوة اجتماعية حملت مشروعه، لأن الدولة لا تقوم بالنسب وحده، بل تحتاج إلى قوة اجتماعية تحميها. وهنا يكمن عمق تحليل ابن خلدون: فالدولة لا تولد من العقيدة فقط، بل من اجتماع “الدعوة” و”العصبية”.
لماذا حارب هارون الرشيد الأدارسة؟
يذهب بعض القراءات السطحية إلى أنّ هارون الرشيد حارب الأدارسة لأنهم كانوا شيعة، وكأنّ الخلاف كان دينيا خالصا. لكنّ الصورة التاريخية أكثر تعقيدا. لقد كان هارون الرشيد يرى في ظهور إدريس تهديدا سياسيا خطيرا. فإدريس لم يكن مجرد رجل صاحب رأي ديني؛ كان رجلا من آل البيت استطاع أن يؤسس كيانا مستقلا على أطراف الدولة العباسية. وهذا يعني أنّ وجوده يحمل رسالة سياسية خطيرة: “هناك من ينازع العباسيين على الشرعية الإسلامية.” لذلك كانت مواجهة الرشيد للأدارسة أساسا سياسية مرتبطة بمفهوم السلطة والخلافة.
أمّا البعد العقائدي فكان حاضرا باعتباره لغة الصراع في ذلك العصر؛ فالعباسيون كانوا يقدّمون خصومهم أحيانا بوصفهم أهل بدعة أو الخارجين عن الجماعة، بينما كان العلويون يرون أنفسهم أصحاب الحق المغتصب. لكنّ الدافع المركزي كان: الخوف من قيام مركز علوي مستقل ينافس بغداد.

اغتيال إدريس الأول: السياسة حين ترتدي قناع العقيدة
تذكر المصادر أنّ العباسيين أرسلوا من يعمل على التخلص من إدريس الأول، ومن أشهر الروايات قصة سليمان بن جرير أو الشماخ مولى العباسيين الذي دس له السم. وهذا الحدث يكشف جوهر الصراع: لو كانت القضية مجرد نقاش مذهبي، لما احتاج الأمر إلى اغتيال سياسي. لقد كان الخطر الحقيقي أن يتحول إدريس إلى رمز، والرموز أخطر من الجيوش. فالملك العباسي لم يكن يخشى عالما علويا يعارضه في الفكر، بل كان يخشى أميرا علويا يملك النسب والقبول والقدرة على تأسيس دولة.
الأدارسة ليسوا شيعة بالمعنى الذي نعرفه اليوم
يمكن القول إن الأدارسة كانوا:
– علويين في الشرعية والنسب.
– شيعة بالمعنى السياسي العام (موالاة آل البيت ومنازعة العباسيين).
– لكنهم لم يكونوا دولة شيعية إمامية بالمعنى العقدي المعروف لاحقا.
أما حرب هارون الرشيد ضدهم فكانت في جوهرها: حربا على السيادة والشرعية السياسية، لبست ثوب الخلاف الديني. لقد كان الصراع بين بغداد وفاس صراعا بين رؤيتين للسلطة الإسلامية: رؤية تقول: “الخلافة لمن غلب واستقر أمره في قريش من العباسيين.” ورؤية تقول: “الحق السياسي لا ينفصل عن الدم النبوي وقرابة الرسول.” وبين هاتين الرؤيتين وُلدت الدولة الإدريسية، لا كحركة مذهبية فقط، بل كأول تجربة سياسية مغربية مستقلة تحمل في قلبها سؤالا ظل يتكرر عبر القرون: هل تستمد السلطة شرعيتها من السيف، أم من النسب، أم من قبول الناس؟ وهنا تكمن عظمة قصة الأدارسة: لم يكونوا مجرد فرع خرج من شجرة الخلافة، بل كانوا أول غصن مغربي نبت بعيدا عن ظل بغداد، وأعلن أن للمغرب تاريخا سياسيا خاصا به.
📲 Partager sur WhatsApp