محمد الدفيلي منسق إقليمي بإقليم الرحامنة

(حين يقرر أبناء الأرض أن يصيروا صوتها)

بقلم زكية لعروسي, باريس

في عصر تتسارع فيه التحولات البيئية وتتعاظم رهانات التنمية، لم يعد العمل من أجل البيئة خطابا موسميا يستدعى في المناسبات، بل أصبح سؤالا وجوديا يرتبط بمستقبل الإنسان والمجال معا. وفي هذا السياق، تبرز قيمة الكفاءات التي اختارت أن تجعل من المعرفة والممارسة الميدانية والإعلام والعمل المدني مسارات متكاملة لخدمة الصالح العام. ويأتي تعيين الإعلامي والباحث والفاعل الجمعوي محمد الدفيلي منسقا إقليميا لحزب البيئة والتنمية المستدامة بإقليم الرحامنة، في إطار الدينامية التنظيمية التي يشهدها الحزب، والرامية إلى تعزيز هياكله الترابية، واستكمال بناء تنظيماته الإقليمية والمحلية، وتقوية حضوره الميداني، وتعزيز التواصل مع مختلف الفاعلين، ليشكل محطة جديدة في مسار راكم فيه صاحبه تجربة متعددة الروافد، جمعت بين الإعلام والبحث الأكاديمي والعمل الجمعوي والاهتمام بقضايا البيئة والتنمية الترابية.

هناك رجال يمرون فوق الأرض، وهناك رجال يمرون في ذاكرة الأرض. وبين العبورين مسافة يصنعها العمل، ويؤثثها الإخلاص، وتمنحها الأيام شرعيتها. فالأرض لا تحفظ أسماء من تحدثوا عنها كثيرا، بقدر ما تحفظ خطى الذين أنصتوا إلى نبضها، وأدركوا أن التنمية تبدأ من احترام المجال، وأن البيئة ليست ملفا إداريا، بل ضمير وطن. لقد ارتبط اسم محمد الدفيلي، خلال السنوات الأخيرة، بحضور متواصل في قضايا التنمية الترابية والإعلام والبيئة والتنمية المستدامة، سواء من خلال اشتغاله مديرا لنشر الصحيفة الإلكترونية خبر24، أو مديرا لنشر مجلة الجامعة للأبحاث والدراسات، أو رئيسا للمركز المغربي للتنمية الترابية، حيث جمع بين الممارسة الإعلامية والبحث العلمي والانخراط المدني، في تجربة سعت إلى ربط المعرفة بالفعل، والفكرة بالمبادرة، والكلمة بالأثر

ولم يكن اهتمامه بالشأن البيئي معزولا عن اهتمامه بالتنمية، لأن البيئة في فلسفة التنمية المستدامة ليست قطاعا مستقلا، وإنما الإطار الذي يحتضن كل مشاريع المستقبل. فالأرض التي تستنزف مواردها، والماء الذي يفقد توازنه، والمجال الذي يغيب عنه التدبير الرشيد، كلها عناوين لأسئلة لا تجيب عنها الشعارات، بل يجيب عنها العمل الهادئ، والبحث الرصين، والانخراط المسؤول. ومن خلال مساهماته في البحث الأكاديمي في مجال الإعلام والتحولات الرقمية، ومشاركته في عدد من المبادرات والبرامج ذات البعد التنموي، ظل الدفيلي حاضرًا في النقاشات المرتبطة بتحديات التنمية المحلية، مقتنعا بأن الإعلام ليس مجرد ناقل للخبر، بل شريك في صناعة الوعي، وأنّ الباحث لا يكتمل دوره داخل أسوار الجامعة، بل حين ينزل إلى الميدان، ويصغي إلى الناس، ويحول المعرفة إلى اقتراح.

إن الميدان هو الامتحان الحقيقي للأفكار. ففيه تسقط الشعارات التي لا جذور لها، وتبقى التجارب التي نبتت كما تنبت أشجار الزيتون؛ ببطء، لكنها تعمر طويلًا. ولذلك، فإن التجارب التي تولد من قلب المجتمع تملك قدرة أكبر على فهم انتظاراته، لأنها تعرف تضاريسه، وتقرأ تفاصيله، وتدرك أن التنمية ليست أرقاما في التقارير، بل أثرا في حياة الناس. وفي هذا الإطار، تندرج المهمة الجديدة التي أوكلت إليه، والتي تتمثل في الإشراف على تأسيس المكتب الإقليمي للحزب والعمل على إحداث المكاتب المحلية بمختلف الجماعات الترابية التابعة لإقليم الرحامنة، وفق الضوابط التنظيمية المعمول بها، بما يعزز تأطير المناضلين، ويقوي التواصل مع الفاعلين المحليين، ويوسع فضاءات النقاش حول قضايا البيئة والتنمية المستدامة والتنمية الترابية.

ولا ينفصل هذا التعيين عن الاستراتيجية العامة لحزب البيئة والتنمية المستدامة، الرامية إلى إعادة هيكلة تنظيماته الترابية وتقوية حضوره على الصعيد الوطني، عبر إرساء هياكل تنظيمية قادرة على مواكبة التحولات التنموية والبيئية، والانفتاح على الكفاءات التي راكمت خبرة في الإعلام والبحث والعمل المدني. إن المغرب، اليوم، في حاجة إلى كفاءات تجمع بين المعرفة والميدان، بين البحث والمبادرة، وبين الإصغاء للناس والقدرة على التفكير في المستقبل. وهو في حاجة، قبل كل شيء، إلى أن تتحول البيئة إلى ثقافة يومية، لا إلى مناسبة، وأن يصبح الدفاع عن الموارد الطبيعية جزءا من مشروع تنموي متكامل، يربط الإنسان بمجاله، ويجعل الاستدامة أسلوبا في التفكير قبل أن تكون عنوانا في البرامج. فالأوطان لا تبنيها الأصوات المرتفعة، بل السواعد التي تعمل بصمت، والعقول التي تؤمن بأن التغيير يبدأ بخطوة، وأن الغرسة الصغيرة قد تتحول، مع الزمن، إلى غابة تحمي الأجيال القادمة. وكما أن النهر يبدأ من قطرة، فإن المشاريع الكبرى تبدأ دائما بفكرة يؤمن بها أصحابها، ثم يهبونها أعمارهم حتى تستقيم على أرض الواقع.

إن تجربة محمد الدفيلي، بما تجمعه من الإعلام والبحث والعمل الجمعوي والاهتمام بقضايا البيئة والتنمية الترابية، تقدم نموذجًا لمسار مهني ومدني تشكل عبر التراكم والمثابرة، وتؤكد أن الفعل العمومي يزداد قوة كلما استند إلى الخبرة الميدانية، وإلى المعرفة، وإلى القرب من قضايا المجتمع. وتبقى القيمة الحقيقية لأي تجربة في قدرتها على تحويل الأفكار إلى أثر، والوعي إلى ممارسة، والطموح إلى عمل. فالبيئة ليست مجرد عنوان، والتنمية ليست مجرد وعد، وإنّما هما، في جوهرهما، مسؤولية يومية، ومسار طويل، وإيمان بأن الأوطان التي تحسن رعاية أرضها، وتحترم إنسانها، هي الأوطان الأقدر على صناعة المستقبل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *