هل يستطيع الآباء أن يأخذوا إجازة من أبنائهم؟

(من العطلة بوصفها راحة للأسرة… إلى العطلة بوصفها مشروعا مرهقا)

بقلم زكية لعروسي, باريس

هناك سؤال يبدو للوهلة الأولى بسيطا، لكنه في الحقيقة يمسّ أعصاب الحضارة الحديثة كلّها: هل يحقّ للأب والأم أن يسافرا في عطلة من دون أطفالهما؟ السؤال ليس أخلاقيا فحسب، ولا اجتماعيا فقط، بل هو سؤال عن معنى الأسرة، وعن مفهوم الراحة، وعن الطريقة التي غيّرت بها الحداثة علاقتنا بالزمن وبالبيت وبالحب نفسه.ففي عالم يرفع شعار “العائلة أولا”، أصبح الآباء أكثر إنهاكا من أيّ وقت مضى، حتى غدت العطلة – التي اشتُقت في أصلها من الانقطاع عن العمل – موسما جديدا للعمل، ولكن داخل الأسرة هذه المرة. لقد تحولت الإجازة من فسحة للروح إلى مشروع لوجستي ضخم: حجوزات، وحقائب، وبرامج للأطفال، وصور للنشر على وسائل التواصل، ومطاعم مناسبة للصغار، وأنشطة لا تنتهي. وهكذا يعود كثير من الآباء من عطلتهم وهم أكثر تعبًا مما كانوا عليه قبلها. فهل كانت العطلة دائما بهذا المعنى؟ الجواب التاريخي يقول: لا…

في التراث اليوناني القديم لم يكن مفهوم العطلة قائمًا على الهروب من الحياة، بل على العودة إلى جوهرها. الكلمة اليونانية “Scholé”، التي اشتقت منها كلمة School (المدرسة)، كانت تعني في الأصل الفراغ النبيل؛ الوقت الذي يتحرر فيه الإنسان من ضرورات الكسب ليقرأ، ويتأمل، ويتحاور، ويصغي إلى الموسيقى، ويمشي بين الأشجار. لم يكن الفراغ عند الإغريق كسلا، بل أعلى درجات النشاط العقلي والروحي. أما الأطفال، فلم يكونوا محور الكون كما هم اليوم، بل كانوا جزءا طبيعيا من الجماعة. وكانت التربية موزعة بين الأسرة، والمدينة، والمعلمين، والأقارب، والخدم في البيوت الميسورة. لم يكن الأبوان يشعران بأن عليهما أن يوفرا لأطفالهما كل لحظة من الترفيه، أو أن يحملا وحدهما عبء التربية طوال الوقت. كان المجتمع كلّه يشارك في صناعة الإنسان.

أمّا في التراث العربي، فلم يكن هناك مفهوم “العطلة الصيفية” بالشكل الحديث، لأن الحياة نفسها كانت أكثر مرونة، وأكثر التصاقا بإيقاع الطبيعة. لكن العرب عرفوا معنى الراحة. جاء في القرآن الكريم: ﴿وجعلنا نومكم سباتا﴾، أي انقطاعا عن العناء. وكانوا يقولون: “إن للبدن عليك حقا.” ولذلك كانت الزيارات، والرحلات، والمجالس، والواحات، والمصايف الجبلية، والتنقل بين بيوت الأقارب، كلها أشكالا من استعادة التوازن. ولم تكن الأمّ وحدها مسؤولة عن الأطفال. كانت الجدة، والخالة، والعمة، والجار، والقبيلة، يشاركون جميعا في التربية.وكان الطفل ينتقل بين البيوت كما ينتقل الهواء بين النوافذ. حتى إن إرسال الأبناء إلى البادية، كما حدث مع النبي محمد(ص) في طفولته، لم يكن تخليا عنهم، بل كان جزءا من التربية واكتساب القوة واللغة. كانت الأسرة الممتدة تؤدي وظيفة لم تعد تؤديها المدن الحديثة.

اليوم يعيش الأبوان غالبا وحدهما. الأجداد في مدينة أخرى. والأقارب مشغولون. والجيران غرباء. والمجتمع الذي كان يحمل جزءا من عبء التربية انسحب بهدوء، حتى بقي الأب والأم وحدهما في مواجهة كل شيء. ثم جاءت ثقافة الاستهلاك لتقنعنا بأن “الوالد المثالي” هو من يكرس كل دقيقة لأطفاله، وأن أي رغبة في الابتعاد عنهم تعني نقصًا في الحب. وهكذا وُلد شعور جديد لم تعرفه المجتمعات القديمة بهذه الحدة: ذنب الوالدين. ذنب لأنهما يريدان أن يناما حتى التاسعة صباحا. ذنب لأنهما يرغبان في عشاء هادئ. ذنب لأنهما يحلمان بثلاثة أيام بلا ألعاب متناثرة، ولا صراخ، ولا جداول للأنشطة. لكن هل الحب الحقيقي يعني الحضور الدائم؟ أم يعني القدرة على العودة أكثر هدوءا، وأكثر صبرا؟

تشير دراسات علم النفس الأسري إلى أن جودة العلاقة مع الأبناء ترتبط أكثر بالحضور العاطفي من عدد الساعات التي يقضيها الوالدان معهم. فالوالد المنهك، المستنزف، سريع الانفعال، لا يمنح أبناءه ما يمنحه والد استعاد توازنه النفسي. ولهذا لا ينبغي النظر إلى رحلة قصيرة للوالدين وحدهما باعتبارها هروبا من المسؤولية. قد تكون، في كثير من الأحيان، استثمارًا في استمرار الأسرة نفسها. فالزوجان اللذان يعتنيان بعلاقتهما، يحميان أيضًا البيئة التي ينمو فيها الطفل.

ربما. ليس لأنّها كانت أكثر حبًا، بل لأنها كانت أقل فردانية. كان الطفل يعرف أن له أكثر من بيت. وكان الأبوان يعرفان أن تربية الطفل ليست وظيفة شخصين فقط. أما نحن فقد صنعنا نموذجا للأسرة النووية المغلقة، ثم طلبنا منها أن تقوم بكل شيء وحدها. أن تربي. وتعلم. وتلعب. وتسافر. وتنتج. وتنجح. وتبتسم في الصور. ثم نستغرب لماذا أصبحت العطلة مصدرا للإرهاق.

ليست المشكلة في السفر مع الأطفال. وليست في السفر من دونهم. المشكلة أننا فقدنا معنى الراحة ذاته. الراحة ليست مكانا على البحر. وليست فندقا فاخرا. وليست صورا مثالية على الشواطئ. الراحة أن يجد الإنسان مساحة يعود فيها إلى نفسه، وأن تعود الأسرة إلى بساطتها الأولى. أن يجلس الجميع حول مائدة لا يقطعها هاتف. أن يترك الطفل ساعة كاملة يبتكر لعبته بدل أن نملأ يومه بالبرامج. أن يزور الأحفاد أجدادهم، لا باعتبار ذلك “خطة بديلة”، بل امتدادا طبيعيا للعائلة. أن يستعيد الزوجان حديثا نسيته ضوضاء الأيام.

ربّما لا يحتاج الآباء إلى إجازة من أطفالهم بقدر ما يحتاجون إلى إجازة من النموذج الذي فرضته الحداثة على الأسرة. ذلك النموذج الذي جعل الحب مرادفا للاستنزاف، والرعاية مرادفة للإرهاق، والعطلة مشروعا معقدا يحتاج إلى إدارة أكثر مما يحتاج إلى استرخاء. لقد علّمنا الإغريق أن الفراغ فضيلة، وعلّمنا العرب أن السعة جزء من الحكمة، لكننا نسينا الدرسين معا. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يجوز للوالدين أن يقضيا عطلة من دون أطفالهما؟ بل هو: كيف وصلنا إلى زمن أصبح فيه الإنسان يشعر بالذنب لأنّه يريد أن يستريح؟ وربما يكون الجواب المؤلم أنّ الحضارة التي جعلت كل شيء أكثر سرعة، جعلت حتى الراحة نفسها تحتاج إلى جهد. ولعل أعظم ثورة هادئة يمكن للأسرة المعاصرة أن تقوم بها، ليست السفر إلى مكان أبعد، بل العودة إلى معنى أقدم: أن تكون العطلة زمنا تستريح فيه العلاقات، لا زمنا تختبر فيه قدرتها على الاحتمال.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “هل يستطيع الآباء أن يأخذوا إجازة من أبنائهم؟

  1. ثمن أن تسعى خلف تخليد الإسم خوفا من التلاشي، كانت تلك المكابدة التي تلتهم أعز فترة من حياة الفرد، يكبرون ولا يلتفتون، يسيرون كما سرنا نحو التلاشي هم كذلك، في الأثير. وهكذا هو لغز نبتة جلجامش.

  2. بالفعل قراءة ماتعة. كم كان هذا الكلام في الصميم. انه زمن الحداثة و نحن صرنا عبيدا شئنا أم أبينا.
    تحيااااتي الحارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *