عندما يبكي رجل الدرك في جنازة رفيق…

بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغ-الدنمارك

ليست دموع الرجال ضعفا، ولا بكاء الجنود وهنا، بل هي اللغة التي تعجز الكلمات عن ترجمتها حين يكون الفقد أكبر من أن يحتمله القلب. إنها دموع الوفاء، ومرثية الصامتين الذين خبروا معنى التضحية، وتقاسموا مع رفيقهم شرف أداء الواجب حتى آخر الأنفاس. وأنا أتصفح الأخبار هذا الصباح، استوقفني مشهد جنازة مهيبة، اصطف فيها رجال الدرك الملكي في صمت يليق بعظمة الموقف. لم أكن أعرف هوية الفقيد، ولم أقرأ سيرته، لكنّني أدركت من هيبة المشهد ومن ارتجاف الأصوات أن الوطن كان يودّع أحد أبنائه البررة.

ثم جاءت كلمات الإمام… كلمات خرجت من القلب، فاستقرت في القلوب. لم تكن خطبة وداع عابرة، بل كانت شهادة وفاء لرجل عاش شريفًا، ورحل مرفوع الهامة، بعد أن وهب عمره لخدمة وطنه، وحمل الأمانة بإخلاص حتى لقي ربه. وحين انهمرت دموع رجال الدرك، فهمت أن المواقف العظيمة لا تحتاج إلى شرح. فالرّجال الذين اعتادوا مواجهة الأخطار بثبات، والوقوف في وجه المحن بصلابة، لم يهزمهم الحزن، وإنما انتصر فيهم الوفاء. لقد بكوا لأن رفيق السلاح غاب، ولأن درب التضحية لا يكتمل إلا حين يشيع الأحياء من سبقهم إلى الخلود.

إن من يحمل شرف الدفاع عن الوطن، لا يؤدي مجرد وظيفة، بل يحمل رسالة، ويقطع عهدا مع الوطن بأن يكون سنده في الشدائد، وسياجه في الأزمات، وحارس أمنه واستقراره. ولذلك فإن الشهادة، في وجدان كل من نذر نفسه لخدمة البلاد، ليست نهاية الطريق، بل بداية حياة أخرى عند الله، حيث لا يضيع أجر المخلصين. تحية إجلال وإكبار لكل رجال القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والقوات المساعدة، ولكل من يقف في صمت على الثغور، يحرس الحدود، ويحمي أمن الوطن، بينما ينام الملايين مطمئنين. أولئك الجنود المجهولون الذين يكتبون كل يوم، بصبرهم وتضحياتهم، صفحات مجد المغرب.

ورحم الله كل الشهداء الذين ارتقوا وهم يؤدون واجبهم الوطني. فالموت حق على الجميع، لكنه يصبح وسام شرف حين يكون دفاعا عن الوطن، وحماية لأمنه، وصونا لوحدته الترابية واستقراره. وسيظل المغرب، كما كان دائما، قويا برجاله، شامخا بعزيمة أبنائه، عصيا على الانكسار، لأن الأمهات المغربيات ما زلن ينجبن رجالا يؤمنون بأن حب الوطن ليس شعارا يردد، بل عهد يوفى، ورسالة تؤدى، وتضحية تقدم بلا انتظار لمقابل.

ولعل أجمل صور هذا الوفاء ما نراه أيضا في ملاعب العالم، حين يرتدي أبناء المغرب، الذين ولد كثير منهم خارج أرض الوطن، القميص الوطني بكل فخر، فتختلط دموع الانتصار بدموع الحنين، ويهتفون باسم المغرب من أعماق قلوبهم. إنها رسالة تؤكد أن الوطن لا تقاس حدوده بالجغرافيا، بل يسكن في القلوب، وأنا حب المغرب يظل أقوى من المسافات، وأبقى من الزمن. رحم الله شهداء الوطن، وحفظ الله المغرب، قيادة وشعبا، وجعل رايته خفاقة بالعزة والكرامة، ما دامت قلوب أبنائه تنبض بالوفاء، وما دام في هذه الأرض رجال يصدقون إذا عاهدوا، ويثبتون إذا اشتدت المحن، ويكتبون بدمائهم صفحات الخلود.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *