الخفافيش في بيتنا وجناح الشيطان في السقف

بقلم زكية لعروسي مديرة جريدة الورقاء-باريس

في بلدة Meyzieu الفرنسية، غير بعيد عن ليون، لم تعد الليالي تُقاس بالساعات، بل برفرفة الأجنحة. أكثر من أربعمئة خفاش استولت على منزل عائلة، لا باعتباره مأوى عابرا، بل بوصفه مملكة معلقة بين السقف والجدران. لم تعد أصواتها تأتي من العلية فحسب، بل من تجاويف الحيطان، ومن فتحات التهوية، حتى بدا وكأنّ المنزل نفسه يتنفس خفافيش، ويزفر رائحة زمن موغل في القدم. هناك، يصبح الليل كائنا حيا. كل رفرفة جناح تشبه همسة آتية من العصور الوسطى، وكل صرير يكاد يوقظ ذاكرة أوروبا أكثر مما يوقظ سكان المنزل. إنّها ليست قصة عن حيوانات اقتحمت بيتا، بل عن التاريخ حين يجد لنفسه مدخلا عبر ثقب صغير في السقف.

فالخفاش ليس مخلوقا عاديا في الوعي الإنساني؛ إنه أكثر الحيوانات تعرضا لسوء الفهم. جسده يرفض التصنيف، فهو ليس طائرا، لكنه يطير، وليس فأرا، ومع ذلك أطلق عليه الأوروبيون قرونا لقب “الفأر الطائر”. يعيش معلقا رأسا على عقب، يخرج عندما تعود بقية الكائنات إلى أوكارها، ويجيد الحركة في الظلام أكثر مما يجيدها غيره في وضح النهار. وكأنّه خُلق ليكون استعارة لكل ما يثير الريبة. لهذا لم تتأخر المخيلة الأوروبية في محاكمته. ففي العصور الوسطى، صار الخفاش جناح الشيطان المفضل، ورمزا للهرطقة واللعنة، ورسمت الشياطين بأجنحة خفافيش لا بأجنحة طيور، لأنّ الشر، في نظر الرسامين، لا يليق به سوى جناح لا يعرف الشمس.

لكن، ما إن نعبر آلاف الكيلومترات شرقا حتى تنقلب الحكاية رأسا على عقب. ففي الصين، لا يحمل الخفاش نذير الخراب، بل بشارة الرخاء. والسبب لا يعود إلى شكله، بل إلى اللغة نفسها؛ إذ يتشابه لفظ كلمة “خفاش” مع كلمة “البركة”، فتحول المخلوق الذي أخاف أوروبا إلى تميمة تجلب السعادة والثروة وطول العمر. ما أغرب التاريخ! المخلوق ذاته يوزع اللعنات في حضارة، ويوزع البركات في حضارة أخرى. لم يتغير الخفاش، بل تغيرت العيون التي تنظر إليه.

غير أنّ الخفافيش لا تعيش في الكهوف وحدها؛ إنها تقيم أيضا في السياسة. كم من نظام حكم يشبه خفاشا عملاقا؟ يكره الضوء، ويزدهر كلّما طال اللّيل، ويعيش على بث الخوف أكثر من اعتماده على القوة. يتدثر بشعارات مقدّسة، لكنّه لا يسمح لأشعة الحرية بأن تتسلل إلى جدرانه. إنّه لا يطير نحو المستقبل، بل يدور بلا نهاية داخل كهف الماضي. وحين خرجت النساء الإيرانيات يهتفن: “المرأة… الحياة… الحرية”، بدا المشهد وكأنه فتح نافذة في كهف ظل مغلقا لعقود. لم يكن قص الشعر مجرد احتجاج، بل إعلانا بأن الضوء يستطيع، ولو متأخرا، أن يجد طريقه إلى أكثر الأماكن ظلمة. ففي كل سلطة تخشى النور، ثمة خفاش سياسي يختبئ في السقف، يفر من النّهار لأنّه يعرف أنّ النور يكشف ملامحه الحقيقية.

لكن الأكثر إدهاشا تكمن في فرنسا نفسها. العائلة التي تتمنى التخلّص من الخفافيش لا تستطيع فعل ذلك بسهولة، لأنّ القانون يحميها باعتبارها جزءا من التوازن البيئي. يا للمفارقة! الكائن الذي كان يقتل قبل قرون لأنه “رسول الشيطان”، أصبح اليوم محميا بقوة القانون. وكأن الحضارة اعتذرت، متأخرة، لمخلوق شوّهته أساطير البشر أكثر مما شوهته الطبيعة. وهنا تتجاوز الحكاية حدود منزل في ليون. إنها تصبح درسا في علاقتنا بالمجهول. فنحن لا نخاف الخفافيش لأنّها مؤذية، بل لأن الليل منحها وظيفة لم نخترع لها تفسيرا مقنعا. نخاف ما لا نعرفه، ثم ننسج حوله الأساطير، ثم نحارب الأسطورة التي صنعناها بأيدينا.

ولعل السؤال الحقيقي لا يتعلق بالخفافيش إطلاقا. كم خفاشا يسكن داخل عقولنا؟ كم فكرة ورثناها لأنها ولدت في الظلام؟ كم خوفا علقناه في سقوف التاريخ حتى صار يبدو جزءا من البناء؟ في ذلك المنزل الفرنسي، ترفرف أربعمائة خفاش تحت السقف. أمّا في بيوت التاريخ، فترفرف آلاف الخفافيش غير المرئية: خفافيش التعصب، وخفافيش الاستبداد، وخفافيش الكراهية، وخفافيش الجهل، وكلّها لا تموت إلا عندما يجرؤ أحدهم على فتح نافذة. وربّما لهذا السبب، لم تكن الخفافيش، عبر التاريخ، مجرد حيوانات. لقد كانت دائما امتحانا للإنسان… هل يخاف الظّلام، أم يخاف ما يختبئ في داخله؟

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “الخفافيش في بيتنا وجناح الشيطان في السقف

  1. إنه رمز لكاءن هجين hybride مثل سيارات الزمن الراهن. غير أن البشر قد حمل شيءية هذا الكائن بصور بلورية الدلالة من مخياله الأسطورية المثقل بالخوف من كل كاءن لا يتحرك إلا بالليل. وبالمماثلة،نقول على كل من يزرع الرعب إنه من أبناء الليل، من يتحرك في الكواليس، يتحرك بأكثر من قناع….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *