عبد الله شوكا – كاتب وصحافي، المغرب
قد يخال القارئ، للوهلة الأولى، أن لقب “صديقة السحاب” أطلق على الأمّ مليكة لأنها كانت تحلق في السماء أو تجوب الآفاق على متن الطائرات. لكنّ الحقيقة أكثر شاعرية، وأشد التصاقا بذاكرة البادية المغربية. فقد كانت صديقة للسحاب لأنّها كانت تستدعيه بالأمل، وتطارده بالدعاء، وتنتظر قدومه بطقوس توارثها أهل الرحامنة جيلا بعد جيل، في زمن كانت فيه السماء كتابا مفتوحا يقرأ الناس إشاراته بالإيمان والصبر. حين كانت الأرض تتشقق عطشا، وتلوذ الحقول بالصمت، كانت الأمّ مليكة، رحمها الله، وهي مقدمة الدوار، تشمّر عن ساعديها، وتجمع نساء الدوار وأطفاله في ليلة يلفها السكون. ثم تخرج بقرة من الإسطبل، لتبدأ واحدة من أكثر الطقوس الشعبية إثارة للدهشة في الذاكرة القروية. تنطلق الجموع في موكب بسيط، يطوف بالبقرة حول مسجد الدوار ثلاث مرات، بينما ترتفع الحناجر بإنشاد جماعي يكاد الزمن يوشك أن يبتلعه:
“البكرة بول بول… يا ربي تعطينا السبول.”
ثم يتردد الدعاء في الفضاء:
“السبولة عطشانة… رويها يا مولانا.”
ولعلّ أكثر ما كان يلهب مشاعر الجميع أنّ البقرة، في كثير من المناسبات، كانت تتوقف وسط الجموع لتتبول قبل أن تكتمل الدورات الثلاث. عندها كانت الزغاريد تشق عنان اللّيل، ويعم الفرح وجوه النساء والأطفال، إذ كان أهل الدوار يعدّون ذلك -وفق معتقدهم الشعبي – بشارة بقرب نزول المطر. فتتسابق الأيدي لملامسة البقرة وتحيّتها، وكأنّها حملت رسالة السّماء إلى الأرض، قبل أن تعود إلى إسطبلها تتقدّمها ابتسامات الناس وآمالهم.
ولعل ما زاد هذه الحكاية رسوخا في الوجدان أنّ الغيث كان، في كثير من الأحيان، يهطل بعد أسابيع قليلة، فتكتسي الرحامنة حلّة خضراء، ويستعيد الفلاّحون ثقتهم بالموسم الجديد. ولم يكن أحد يومها يبحث عن تفسير علمي بقدر ما كان يبحث عن نافذة للأمل في مواجهة سنوات القحط. وتبقى هذه الطقوس جزءا من التراث اللامادي المغربي، تعكس بساطة الإنسان القروي وعمق علاقته بالأرض والسماء، وتوثق مرحلة تاريخية كان فيها الدعاء والرمز والاحتفال الجماعي وسائل لمقاومة الخوف من الجفاف، أكثر منها محاولة لتفسير قوانين الطبيعة.
ومن الطرائف الجميلة التي تضيء هذه الذاكرة، أنّ الأم مليكة، رحمها الله، كانت تتابع بشغف النّشرات الجوية التي كانت تقدمها الإعلامية رحمة الحنّاوي على القناة الثانية، لما تحمله من بشائر ينتظرها الفلاحون. وقبل وفاتها، بعثت إليها بتحية مصورة عبر شريط، تعبيرا عن تقديرها وامتنانها. ولم تتأخّر رحمة الحناوي في ردّ التحية، في مشهد إنساني دافئ جمع بين امرأة كانت تستنجد بالسماء بطقوس الأجداد، وإعلامية كانت تبشر بالمطر بلغة الأرصاد الجوية؛ فكأنّهما، كلّ بطريقتها، كانتا تحملان للناس خبر الغيث.
📲 Partager sur WhatsApp