ضمن سلسلة: حكايات وطرائف عاشها البدو
بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي-المغرب
للذاكرة الريفية مذاق لا يشبه سواه؛ فهي لا تحفظ الأحداث الكبرى وحدها، بل تحتفظ أيضا بالمواقف الصغيرة التي تتحول، مع مرور الزمن، إلى حكايات تتناقلها المجالس، وتستدعيها الضحكات كلما ذكر أصحابها. ففي البادية المغربية، كانت الطرفة تولد عفوية، من غير قصد إلى الإضحاك، لأنها كانت ابنة البراءة، وليدة الفطرة، بعيدة عن التكلف والتصنع. وكانت سبعينيات القرن الماضي زمنا مختلفا بكل المقاييس؛ زمنا كانت فيه الفصول تأتي في مواعيدها، وكانت الأرض تجود بمحاصيلها، وكانت الحياة تمضي بإيقاع هادئ، لا يعرف صخب المدن ولا سرعتها. يومها، ظل كثير من أبناء البادية أوفياء للخيمة والدوار، لا يغادرونهما إلا في مناسبات قليلة، كزيارة المواسم والأسواق الأسبوعية، أو لقضاء حاجة ضرورية بإحدى المدن القريبة.
ومن بين أولئك كان أحمد، أحد أبناء منطقة الرحامنة، رجلا بسيطا، لم يعرف طريق المدرسة، ولم يقرأ كتابا، ولم يتابع إذاعة أو تلفازًا، لأن عالمه كان يبدأ من حدود الدوار وينتهي عندها. وكانت مدينة سطات، التي لا تبعد عن الرحامنة سوى نحو اثنين وخمسين كيلومترا، تمثل بالنسبة إليه أقصى حدود العالم المأهول، أما الدار البيضاء فكانت، في مخيلته، مدينة بعيدة تكاد تنتمي إلى عالم آخر لا تطؤه أقدام البدو إلا نادرا. وفي تلك السنوات، كانت للمشروبات الغازية هي الأخرى حكاياتها ونكهتها الخاصة. أسماء ما زالت عالقة في ذاكرة جيل الخمسينيات والستينيات، مثل جيدور وأورانجينا ولاسيكون ويوكي وكروش… أسماء كانت كافية لتبعث في النفوس حنينا إلى زمن كانت فيه الأشياء أقل عددا، لكنها أكثر متعة.
وفي أحد أيام الصيف، شاءت الظروف أن يزور أحمد مدينة سطات. وبعد جولة بين أزقتها، وقد اشتد عليه القيظ، قرر أن يدخل محلا لبيع المواد الغذائية ليطفئ ظمأه بقنينة من مشروب غازي بارد. وقف أمام صاحب الدكان بكل ثقة، لكن المفاجأة أن اسم المشروب الذي كان يريده تبخر من ذاكرته في اللحظة الحاسمة. كان صاحب المحل ينتظر الطلب، وأحمد لا يريد أن يبدو مترددا أو حائرا. حاول أن يستنجد بما بقي عالقا في ذاكرته من أسماء سمعها من قبل، لكنه بدل أن يستحضر اسم “يوكي”، قفز إلى لسانه اسم آخر كان يتردد آنذاك بكثرة في الأسواق والطرقات…نظر إلى البائع، وقال بكل تلقائية:
– أعطني قنينة مشروب غازي من نوع… “ياماها”!
ساد صمت قصير، ثم ارتسمت على وجه صاحب المحل ابتسامة لم يستطع إخفاءها. حدق في أحمد لحظة، وظن أوّل الأمر أنه يداعبه، قبل أن يرد ضاحكا:
– يا سيدي… “ياماها” تباع عند بائع الدراجات النارية، أما هنا فنبيع المشروبات الغازية!
غير أن الرجل، بما امتلكه من فطنة وسرعة بديهة، أدرك أن الزبون البسيط اختلطت عليه الأسماء، وأنه يقصد، على الأرجح، مشروب “يوكي”الشهير آنذاك. فالتقط قنينة منه ووضعها أمام أحمد. وما إن وقعت عينا أحمد عليها حتى تهللت أساريره، وقال بعفوية صادقة:
– إيوا… هذا هو! هذا اللي كنت باغي.
تنفس الصعداء، وأخذ قنينته غير عابئ بالابتسامة التي بقيت معلقة على وجه صاحب الدكان، ولا بالخجل العابر الذي زاره للحظة، فقد كانت براءته أكبر من أن تسمح للموقف بأن يفسد عليه لذة المشروب. وهكذا تحولت زلة لسان عابرة إلى واحدة من أجمل الطرائف التي ظل أبناء الدوار يروونها جيلا بعد جيل، كلما اجتمعوا واستعادوا زمنا كانت فيه البساطة عنوان الحياة، وكانت العفوية أجمل ما يميز الناس، وكانت الأخطاء الصغيرة تستقبل بالابتسامة لا بالسخرية، وبالود لا بالتجريح. إنّها حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنّها تختزن صورة كاملة عن مغرب الأمس؛ مغرب كانت فيه المسافات طويلة، والمعرفة محدودة، لكنّ القلوب كانت أوسع، والناس أكثر تسامحا، والضحكة تخرج من الأعماق، لا من وراء الشاشات.
📲 Partager sur WhatsApp