تأملات فلسفية في صرصور أوقف الزمن… ولم يوقف صحافية
بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
لم يكن الصرصور، أو كما يسميه أهل وجدة في حميمية اللغة الشعبية “كْرِيلُّو”، وكما يعرف في مدن مغربية أخرى باسم “سَرّاق الزيت”، يبحث عن الشهرة. ولم تكن الصحافية الأمريكية راشيل مينيتوف تبحث عن بطولة. كان الهواء وحده يصنع المشهد، وكانت الكاميرا تؤدي طقسها المعتاد في مطاردة الحقيقة، قبل أن يقرر كائن خرج من أكثر طبقات العالم ظلمة أن يصعد إلى أكثر أماكنه إضاءة. في لحظة واحدة، لم يعد الخبر هو موجة الحر التي تضرب كارولاينا الجنوبية، بل أصبح السؤال الذي لم يكتبه أحد على شاشة البث: من يروي من؟ الصحافية عن العالم… أم العالم عن الصحافية؟
للصرصور سيرة لا يكتبها المؤرخون. إنه الكائن الذي يعيش في هوامش المدن، في شقوق الجدران، في ذاكرة المطابخ القديمة، في رطوبة المواسير، وفي الأماكن التي يخجل الإنسان من الاعتراف بأنها امتداد لحياته. إنّه ابن الظل. والحضارة، مهما بالغت في طلاء واجهاتها بالرخام والزجاج، تعرف في سرها أن تحت كل مدينة مدينة أخرى لا تراها العين؛ مملكة من الكائنات التي تقتات على ما يسقط من موائد البشر، وتراقبهم بصبرٍ جيولوجي، كأنها آخر شهود الأرض. ولعل الصرصور أكثرها حكمة. ليس لأنه ذكي بالمعنى الذي نحب، بل لأنه لم يطمح يومًا إلى أن يكون غير نفسه.
في العربية، كانت الحيوانات تدخل الأدب عادة من باب الحكمة. النملة تعلم الاقتصاد. النحلة تعلم النظام. الهدهد يحمل الأخبار. الغراب يوقظ الضمير. أما الصرصور، فقد بقي خارج البلاط الأدبي، منفيا من البلاغة، محروما من البطولة، كأنه مخلوق ارتكب خطيئة جمالية لا تغتفر. ومع ذلك، فإن كل حضارة احتاجت إليه دون أن تعترف. إنه عامل النظافة الذي لا يطلب وساما. والناجي الذي لا يحتفل بانتصاراته. والكائن الذي يذكّر الإنسان بأن الحياة لا تنتصر دائما بالأجنحة الجميلة، بل أحيانا بالأرجل الخشنة.
كان اليونانيون مفتونين بالنظام الكوني. بحث أرسطو في طبائع الحيوان، وتأمل الرواقيون قدرة الكائنات على الانسجام مع قوانين الطبيعة، بينما تخيل ديوجين أن الإنسان كلما اقترب من بساطة الحيوان اقترب من الحرية. ولو أن صرصورًا صعد إلى كتفه، لربما اكتفى بالابتسام. لأن الفيلسوف الحقيقي لا يخجل من الطبيعة. بل يخجل من خوفه منها. أما العرب، فقد عرفوا أن لكل مخلوق نصيبًا من الحكمة. قالوا إن الله لم يخلق شيئا عبثا. وجعلوا من أصغر الكائنات أبوابا للتأمل. ولم يكن السؤال يوما: لماذا خُلق هذا المخلوق؟ بل كان: لماذا نحتقر ما لا يشبهنا؟
حين بدأ “سَرّاق الزيت” يتسلق جسد الصحافية، بدا كأنه يعيد تمثيل قصة الإنسان مع الغريزة. الكاميرا تمثل العقل. والبث المباشر يمثل النظام. أما الصرصور، فهو الفوضى التي لا تستأذن. ذلك الجزء من الكون الذي يقتحم النص دون موعد. والمدهش أن المرأة لم تصرخ. لم تقطع الجملة. لم تنهزم أمام مفاجأة بيولوجية صغيرة. واصلت الحديث. كأنها كانت تقول للعالم: إن الاحتراف ليس أن تمنع الفوضى من الوصول إليك. بل أن تمنعها من الوصول إلى صوتك. في تلك الثواني، لم تعد الصحافية مجرد ناقلة أخبار. تحولت إلى استعارة. كانت الحضارة كلها تقف أمام امتحان بسيط. هل يسقط الإنسان لأن صرصورا لمس كتفه؟ أم لأنّ خوفه لمس قلبه؟

الغريب أنّ الصرصور لا يعرف أنه قبيح. القبح اختراع بشري. ولا يعرف أنه مقزز. الاشمئزاز أيضًا صناعة ثقافية. هو يتحرك بمنطق الحياة وحدها. بينما يتحرك الإنسان بمنطق الصور. لهذا كانت الكاميرا أكثر رعبا من الحشرة. فالحشرة لا تحاكم. أما ملايين العيون خلف الشاشة فتفعل. في الأدب، كان كافكا بحاجة إلى أن يحول الإنسان إلى حشرة كي يكشف هشاشة المجتمع. لكن الحياة قلبت المعادلة. هذه المرة، لم يتحول الإنسان إلى صرصور. بل تحول الصرصور إلى ناقد تلفزيوني صامت، اقتحم النشرة ليعلن أن الطبيعة لا تؤمن ببروتوكولات البث المباشر. وأن أكثر الكائنات احتقارا تستطيع، في ثانية واحدة، أن تسرق الأضواء من أكثر البشر شهرة.
ربما لهذا يسميه المغاربة “سَرّاق الزيت”. ليس لأنه يسرق الزيت فقط. بل لأنه يسرق اليقين. يدخل من أصغر الثقوب ليذكرنا بأن العالم لا يُغلق بإحكام. وأن الإنسان، مهما أحاط نفسه بالزجاج والخرسانة والتقنيات، يبقى ساكنًا مؤقتًا في بيت تتقاسمه معه كائنات لا تعترف بسلطته. ولعل أعظم ما حدث في تلك اللقطة ليس صعود الصرصور. بل نزول الخوف. ذلك أن الشجاعة ليست غياب الفزع. بل القدرة على تأجيله حتى ينتهي الواجب. ولهذا بدت الصحافية وكأنها خرجت من رواية أكثر منها من استوديو أخبار. امرأة تواجه الفوضى بابتسامة داخلية، بينما يواصل صوتها نسج الجمل كما لو أن شيئًا لم يحدث.
بعد انتهاء البث، سيعود الصرصور إلى عتمته. وستعود الصحافية إلى غرف الأخبار. لكن المشهد سيبقى. ليس لأنّه طريف. بل لأنه أعاد ترتيب العلاقة بين الإنسان والطبيعة. ذكرنا بأن الحضارة ليست انتصارا على الكائنات الصغيرة، وإنما اتفاق هش معها. وبأنّ أكثر اللحظات إنسانية قد تبدأ… من أرجل حشرة يكرهها الجميع. ذلك أن التاريخ لا يصنعه الملوك وحدهم. أحيانا…يصنعه “كريلو” وهو يعبر كتف امرأة لم تسمح للخوف أن يقطع جملتها الأخيرة.
📲 Partager sur WhatsApp