تأملات في زمن الحرّ، والعطش، وضمير الإنسان
بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
ليس أخطر ما في الحرّ أنه يجعل الجباه تتصبب عرقا، ولا أنّ الإسفلت يلين تحت الأقدام، ولا أنّ المدن تتحول إلى أفران عملاقة؛ بل أخطر ما فيه أنه يجرؤ على الاقتراب من آخر الأشياء التي كنا نظنها عصية على الفساد: الماء. حين يصبح الماء دافئا، لا يختل ميزان الحرارة وحده؛ بل يهتز يقين الإنسان نفسه. فمنذ أن فتح الطفل الأول عينيه على الأرض، كان الماء هو المعنى الأول للطمأنينة. نثق فيه كما نثق في الفجر، ونشربه كما نتنفس الهواء، ولا نسأل كل صباح: هل ما يزال الماء ماء؟ لكن الحرّ يطرح السؤال الذي لم نعتد سماعه. ماذا لو تعب الماء؟
يقول المتصوفة إن الكون كله تسبيحة، وإن الماء هو أكثر الموجودات تواضعا؛ لا يرفع صوته، لكنه يحمل الحياة كلها. لا يخاصم الصخور، بل يمر بينها. لا ينافس الأشجار، بل يصعد إليها خفيا ليصبح ثمرة. لا يطلب المجد، لكنه يكتب تاريخ الحضارات بصمت. ولعل ابن عربي كان سيبتسم لو رأى الإنسان الحديث، وهو يحمل قارورة ماء معدني في يد، وهاتفا ذكيا في اليد الأخرى، ثم ينسى أن الحضارة كلها قد تسقط إذا غابت الأولى، بينما تستطيع أن تعيش سنوات بلا الثانية. كان طاليس الملطي، قبل ألفين وخمسمائة عام، أكثر حكمة من كثير من خبراء عصرنا حين قال: “الماء أصل الأشياء. ضحك الناس يومها من فيلسوف جعل الكون يبدأ من قطرة. واليوم… يضحك الماء منا. فها نحن نبحث عن الحياة في المريخ، بينما نعجز عن حماية نهر في الأرض.
في باريس، تجاوزت حرارة ماء الصنبور ثلاثين درجة خلال موجة الحر الأخيرة. لم يعد الماء باردًا كما ألفه الناس، بل صار يحمل مذاقا غريبا يشبه رائحة المسابح بسبب زيادة الكلور، وبدأت الأسئلة العلمية تتحدث عن البكتيريا واحتمالات نموها عندما ترتفع حرارة الماء فوق الحدود الآمنة. يا للمفارقة! لقد أصبح الإنسان يخاف من كأس الماء، بعدما كان يخاف العطش فقط. وليس هذا خبرا عن فرنسا وحدها. إنه خبر عن الكوكب. فالحرارة لا تعرف جوازات السفر، والجفاف لا يقرأ الخرائط السياسية. إنها اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع. في القرآن، لم يقل الله: “وجعلنا من التراب كل شيء حي.” بل قال: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾. وكأنّ الحياة نفسها لم تُخلق من المادة، بل من السيولة. من القدرة على الجريان. من رفض الجمود. ولهذا ربما كان الماء أكثر الموجودات شبها بالحكمة. فالحكمة أيضا لا تصرخ. إنها تسيل.

أمّا الجاحظ، فلو خرج من قبره اليوم، لكتب رسالة بعنوان: “البخلاء في زمن الماء.” ولاكتشف أن البخل الحقيقي لم يعد الامتناع عن الضيافة، بل الإسراف. ذلك الرجل الذي يغسل سيارته بمئات اللترات في ظهيرة أغسطس، ثم يلعن الحكومة حين يُخفض منسوب السدود. وتلك العمارة التي تترك الصنبور يقطر عاما كاملا، ثم تجتمع في المساء لمناقشة أزمة المناخ. أي كوميديا هذه؟ إننا نهدر الماء كما لو كنا ورثة نهر النيل وحدنا. في المغرب، تبدو الحكاية أكثر جدية. فالسدود تتراجع، والفرشات المائية تئن، والسماء أصبحت أكثر اقتصادا في المطر مما أصبح الإنسان اقتصادا في الاستهلاك. ومع ذلك، ما يزال البعض يتعامل مع الماء بوصفه حقا طبيعيا لا ينضب. كأنّ الغيم موظف حكومي، يتقاضى راتبه ليمطر كل شتاء! المشكلة ليست في المناخ وحده. المشكلة في الثقافة. فالإنسان الذي يستهلك الماء بلا وعي، هو نفسه الذي يستهلك الوقت بلا معنى، والكلمات بلا مسؤولية، والطبيعة بلا رحمة. الإفراط عادة واحدة تتنكر بأقنعة مختلفة.
والعجيب أن الماء هو الكائن الوحيد الذي كلما ازداد نقاء، ازداد تواضعا. لا لون له. لا رائحة. لا يطالب بالتصفيق. بينما الإنسان، كلما امتلك شيئا قليلا من السلطة، صار يريد أن يغيّر لون العالم كله. لذلك ربما كان الماء أكثر حكمة منا. تقول الاستراتيجيات البيئية إن حروب المستقبل قد تكون على الماء. وأقول: إنها بدأت بالفعل. لكنها ليست حروبا بين الدول فقط. إنها حرب بين الإنسان ونفسه. بين استهلاكه وضميره. بين شهوته وحاجته. تخيل الأرض بلا ماء صالح للشرب. لن يكون السؤال: كم تبلغ أسعار النفط؟ بل: من يملك كوبًا من الماء؟ لن تتنافس الدول على الذهب. بل على المطر. وسيصبح الغيم أهم من البورصات.
نحن لا نشكو من الحر لأن أجسادنا تتعب. بل لأن الحرارة تذكرنا بحقيقة نسيناها طويلا: أن الحضارة ليست ناطحات سحاب. وليست الذكاء الاصطناعي. وليست الصواريخ. الحضارة هي أن تفتح الصنبور…فيخرج الماء. أيها الماء…يا أكثر الأشياء صمتا… سامحنا. عاملناك كعبد، بينما كنت سيد الحياة. حسبناك سلعة، فإذا بك شرط الوجود. أسرفنا فيك حتى صرت تعلمنا الاقتصاد. وأهملناك حتى أصبحت تنذرنا بالعطش. ولعل البشرية ستكتشف، متأخرة كعادتها، أن أغلى ثروة على الأرض لم تكن يوما مدفونة تحت الصخور…بل كانت تجري بينها. وحين يمرض الماء…لا يمرض النهر وحده. بل يشيخ العالم كله.
📲 Partager sur WhatsApp