رسائل تحمل أثقال التاريخ فوق المسرح

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

لم يعد المسرح في هذا العصر مجرد مساحة مضاءة تقف فوقها الأصوات لتصنع لحظة من الجمال. لقد تحول أحيانا إلى مرآة ضخمة تعكس ارتباك الكوكب كله. هناك، تحت الأضواء التي يفترض أن تكون جسرا بين القلوب، قد يظهر فجأة وجه آخر للعالم: وجه يحمل الغضب والذاكرة والأسئلة التي لم تجد طريقها إلى الطاولات السياسية، فوجدت طريقها إلى خشبة العرض. في تلك اللحظة التي وقف فيها الفنان أمام الجمهور، لم يكن يواجه فقط مئات الوجوه المتجمعة في الساحة، بل كان يقف أمام عاصفة رمزية لها آلاف الألسنة. كانت الصفارات تخترق الهواء مثل سهام غير مرئية، وكانت الرايات المرفوعة تتحول من قطع قماش إلى رسائل تحمل أثقال التاريخ. لم يعد المسرح مكانا للفرجة، بل أصبح ساحة صغيرة تتصارع فوقها خرائط العالم الكبرى.

الغريب في زمننا أن الأحداث البعيدة لم تعد تبقى بعيدة. فالحرب التي تندلع خلف البحار تستطيع أن تدخل قاعة موسيقى، والصرخة التي تولد في مدينة محاصرة يمكن أن تصل إلى مهرجان في قارة أخرى. لقد أصبح الكوكب غرفة واحدة واسعة، جدرانها من الشاشات، ونوافذها من الهواتف، وكل إنسان يحمل في جيبه نافذة مفتوحة على مآسي الآخرين. كان المشهد أشبه برواية كتبها بورخيس في لحظة حلم، حيث تتداخل المرايا حتى لا يعود الإنسان يعرف هل ينظر إلى الحدث أم إلى انعكاسه. فالفنان يرى جمهورا غاضبا، والجمهور يرى رمزا سياسيا، والعالم يرى صورة تختصر صراعا أكبر من حدود المسرح. كل طرف يحمل كتابه الخاص، وكل كتاب يعتقد أنه الصفحة الأخيرة من الحقيقة.

لكن المسرح يكشف مفارقة عميقة: الفنّ ولد تاريخيا ليبني مساحة للقاء، بينما السياسة غالبا ما تأتي لتقسم المساحات. وبين الاثنين يقف الفنان كمسافر يحمل آلة موسيقية وسط عاصفة، يحاول أن يعزف لحنا فوق أرض تهتز تحت قدميه. فهو لا يملك عصا سحرية توقف النزاعات، ولا يستطيع أن يحمل وحده ثقل مآسي الشعوب، لكنه يجد نفسه أحيانا في قلب الإعصار لأن صوته مسموع. إن الاحتجاج في الفضاءات الثقافية ليس مجرد ضجيج عابر. هو علامة على أن الإنسان المعاصر لم يعد يفصل بين حياته اليومية والقضايا الكبرى. لقد انهارت الجدران التي كانت تفصل المسرح عن السياسة، والفن عن التاريخ، والأغنية عن الدمعة. أصبحت كل منصة محتملة لانعكاس صراعات العالم، وكل تجمع بشري قادرا على حمل سؤال يتجاوز اللحظة.

غير أن الخطر يكمن حين يتحول الحوار إلى صدى مغلق، وحين تصبح الرموز جدرانا لا جسورا. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تصرخ فوق بعضها، بل إلى مساحات تستطيع فيها الأصوات المختلفة أن تسمع بعضها. لأن التاريخ لا يتغير فقط بالصدامات، بل أيضا بالقدرة النادرة على رؤية الإنسان خلف الشعار. المشهد المسرحي يشبه سفينة صغيرة وسط محيط هائج. الأضواء فوقها براقة، لكن تحتها بحر عميق يحمل تيارات خفية. وكل صفارة وكل هتاف وكل حركة يد ليست سوى موجة صغيرة في محيط أسئلة كبرى: كيف يتعامل الفن مع الجراح السياسية؟ هل يمكن للفنان أن يبقى خارج عواصف عصره؟ وهل يمكن للمسرح أن يحتفظ بقدسيته حين يدخل إليه صخب العالم كله؟

ربما تكمن الإجابة في حقيقة بسيطة وعميقة: أن الفن لا يعيش في عالم مثالي، بل في قلب الفوضى البشرية. هو ابن المدن المزدحمة، والحروب القديمة، والهزائم والانتصارات، والأحلام التي ترفض الموت. لذلك سيظل المسرح مكانا غريبا يشبه الحلم؛ مكانا يمكن أن يولد فيه التصفيق والاحتجاج في اللحظة نفسها، ويمكن لأغنية واحدة أن تكشف عن جرح قارة كاملة. يبقى الستار رمزا لا يغلق القصة بل يؤجلها. فالعالم لا ينتهي بخروج الجمهور من القاعة، بل يحمل معه الأسئلة إلى الشوارع. وربما كانت أعظم قوة للفن أنه لا يمنحنا دائما أجوبة، لكنه يجبرنا على النظر طويلا في المرآة، حتى نكتشف أن وراء كل صوت غاضب إنسانا يحمل ذاكرة، ووراء كل مواجهة قصة لم ترو بعد.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *