بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
في كرة القدم توجد لحظات لا تقاس بالدقائق ولا تسجلها لوحات النتائج وحدها. هناك مباريات تتحول إلى مرايا ضخمة ترى فيها الفرق وجوهها الحقيقية، وتكتشف فيها النجوم أن الشهرة لا تمنح أحدا حصانة من عواصف اللحظة. فالملعب ليس دائما مسرحا للانتصارات، بل أحيانا مختبرا غامضا تكشف فيه النفوس ما تخفيه خلف الأضواء. في تلك المواجهة بين فرنسا وإنجلترا لم يكن المشهد مجرد صراع بين أحد عشر لاعبا ضد أحد عشر لاعبا، بل كان لقاء بين تاريخين، بين قميص يحمل ذاكرة الأمجاد وجمهور يطلب من الحاضر أن يشبه الماضي. كان كل تمرير ناقص سؤالا، وكل تراجع لحظة صمت، وكل محاولة للنهوض محاولة لإعادة ترتيب الحلم قبل أن يسقط من النافذة.
كيليان مبابي، الرجل الذي اعتاد أن يكون البرق حين تحتاجه السماء، وجد نفسه هذه المرة أمام نوع آخر من الاختبارات. فهناك فرق بين أن تواجه المدافعين، وأن تواجه التوقعات. الأولى معركة عضلات وسرعة، أما الثانية فهي معركة داخلية لا يراها أحد. النجم لا يحمل الكرة فقط، بل يحمل فوق كتفيه جبالا من الأحلام التي وضعها الملايين في قدميه. في كرة القدم الحديثة أصبح اللاعب الكبير كأنه مدينة كاملة تمشي فوق العشب. خلفه شوارع من الذكريات، وملايين النوافذ التي تراقب كل خطوة. وعندما تتعثر المدينة لا يسقط لاعب واحد فقط، بل تهتز صورة صنعها الزمن والصحافة والجماهير. لهذا تصبح لحظات التراجع أكثر قسوة على النجوم، لأن الضوء لا يرحم من اعتاد الوقوف تحته.
لكن المأساة الجميلة في الرياضة أن الإنسان يظهر دائما خلف الأسطورة. فاللاعب ليس آلة تصنع المعجزات بلا توقف، وليس تمثالا من ذهب يقف في وسط الملعب. إنه جسد يتعب، وعقل يخطئ، وروح تبحث أحيانا عن طريقها وسط ضجيج هائل. وربما كانت عبارة مبابي عن كون الفريق إنسانيا محاولة لاستعادة شيء فقدته كرة القدم الحديثة: الاعتراف بأن خلف القميص قلبا ينبض. الشوط الأول في مثل هذه المباريات يشبه صفحة مظلمة في كتاب طويل. لا يعني أن الرواية انتهت، بل يعني أن الفصل كان قاسيا. فالفرق الكبرى لا تعرف قيمتها فقط عندما تتقدم، بل عندما تسقط ثم تبحث عن صوتها وسط الركام. العودة ليست دائما في تسجيل هدف، بل في استعادة الإيمان بأن الحكاية لم تغلق بعد.
المدرب أيضا يقف في قلب هذه العاصفة. فهو لا يدير اللاعبين فقط، بل يحاول قيادة سفينة وسط بحر من الضغوط. كل قرار يصبح علامة في ذاكرة الجماهير، وكل تغيير يصبح سؤالا، وكل هزيمة تفتح أبوابا لا تنتهي من التحليل. في كرة القدم، المدرب لا يحمل صافرة فقط، بل يحمل مفاتيح مدينة كاملة من العواطف. إن أكثر ما يجعل اللعبة ساحرة أنها لا تمنح أحدا نهاية مكتوبة مسبقا. البطل قد يصبح إنسانا عاديا في ليلة واحدة، والمنتقد قد يتحول إلى شاهد على عودة تاريخية. فالكرة تشبه روايات الأساطير: فيها فرسان يسقطون، ووحوش تظهر، وأبطال يجدون قوتهم في اللحظة التي يظن الجميع أنهم فقدوها.
ربما يكون الدرس الأكبر من تلك المواجهة أن القمصان العريقة لا تفوز وحدها، والأسماء الكبيرة لا تلعب وحدها، والتاريخ لا يركض وحده خلف الكرة. في النهاية يبقى الإنسان هو العنصر الأكثر غموضا في هذه اللعبة. يحمل المجد والخوف، والعبقرية والتردد، والقوة والهشاشة، في جسد واحد يركض فوق عشرات الأمتار من العشب. ولهذا ستبقى كرة القدم أكثر من نتيجة على شاشة. إنها مرآة للحياة نفسها. فيها لحظات نطير فيها كأننا نملك أجنحة، ولحظات نسير فيها بثقل العالم فوق ظهورنا. لكن أجمل ما فيها أن صافرة النهاية لا تكون دائما نهاية القصة، بل أحيانا بداية فصل جديد ينتظر من يكتبه.
📲 Partager sur WhatsApp