عبد الله شوكا, كاتب وصحافي-المغرب
هناك أسماء تدخل كتب التاريخ، وهناك ألقاب تسبق أصحابها إلى ذاكرة الناس، حتى تكاد تطغى على أسمائهم الحقيقية. ومن هذه الألقاب التي التصقت بشخصية سياسية في منطقة المغرب الكبير، لقب “بوخرّوبة”، الذي ظل يتردد في الوجدان المغربي كلّما ذكر الرئيس الجزائري الرّاحل هواري بومدين. ولمن لم يعش تلك المرحلة، يصعب أن يتصوّر حجم التأثير الذي كان يتركه برنامج “صوت الحق” على المشاهد المغربي في سبعينيات القرن الماضي. فقد كان موعدا إعلاميا ينتظره المغاربة بشغف، في ذروة التوتر السياسي بين الرباط والجزائر، بعد تنظيم المسيرة الخضراء سنة 1975 واسترجاع المغرب لأقاليمه الجنوبية من الإدارة الإسبانية، وهي محطة تاريخية عمقت الخلاف بين البلدين، وأدخلت المنطقة في مرحلة طويلة من التجاذبات السياسية والدبلوماسية.
كان الإعلامي مصطفى العلوي يمتلك أسلوبا خاصا في التقديم، يجمع بين النبرة الواثقة واللغة الساخرة والرسالة السياسية المباشرة. غير أن أكثر ما ظل عالقا في ذاكرة المغاربة هو إصراره على مخاطبة الرئيس الجزائري باسمه العائلي “بوخروبة”، بدلا من الإسم الذي اشتهر به سياسيا، “هواري بومدين”. ومع مرور الوقت، لم يعد اللقب مجرد اختيار لغوي، بل تحول إلى رمز إعلامي ارتبط بمرحلة كاملة من تاريخ العلاقات المغربية الجزائرية. ولعل قوة الإعلام آنذاك تتجلى في أن لقبا واحدا استطاع أن يرسخ في الذاكرة الشعبية أكثر من الإسم الرسمي نفسه. فقد كانت الكلمة، عندما تخرج من فم مصطفى العلوي، تحمل شحنة سياسية وإعلامية تجعل وقعها يتجاوز حدود الاستوديو، لتصبح جزءاً من القاموس اليومي للمغاربة.
إنّ الحديث عن تلك المرحلة لا يكتمل دون استحضار إحدى أكثر صفحاتها إيلاما، وهي قرار السلطات الجزائرية سنة 1975 ترحيل آلاف الأسر المغربية المقيمة في الجزائر، في عملية لا تزال حاضرة في ذاكرة الضحايا وعائلاتهم. وقد تزامن ذلك مع عيد الأضحى، فوجد كثيرون أنفسهم بين عشية وضحاها مجردين من بيوتهم وممتلكاتهم، وعلى الحدود بين بلدين كان يفترض أن تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والدم. لقد تركت تلك المأساة جرحا عميقا في الوجدان المغربي، ليس فقط بسبب حجم المعاناة الإنسانية، وإنّما لأنها مست عائلات عاشت سنوات طويلة داخل المجتمع الجزائري، قبل أن تجد نفسها ضحية قرار سياسي ما زالت تداعياته الإنسانية حاضرة إلى اليوم.
رحل هواري بومدين سنة 1978، وانتهت مرحلة من تاريخ الجزائر، لكن لقب “بوخروبة” ظلّ حيّا في الذاكرة المغربية، ليس لأنّه كان مجرد توصيف إعلامي، بل لأنّه ارتبط بزمن كامل، وببرنامج تلفزيوني صنع جزءا من الوعي السياسي لجيل بأكمله. هكذا يصنع التاريخ مفارقاته؛ فقد يختار السياسي اسما يخلده في الوثائق الرسمية، بينما يختار له الإعلام اسما آخر يخلّده في ذاكرة الشعوب. وبين الإسم واللّقب، تبقى الوقائع هي الحكم الأخير، لأنّها وحدها التي لا يغلبها النسيان. ولعل أجمل ما تكشفه هذه الحكاية أنّ الكلمة، حين تصدر في لحظة تاريخية فارقة، قد تعيش أطول من أصحابها، وتصبح شاهدا على مرحلة كاملة بكلّ ما حملته من صراع، وتوتّر، وأمل في أن يأتي يوم تطوي فيه شعوب المنطقة صفحات الخلاف، دون أن تطوي ذاكرتها.
📲 Partager sur WhatsApp