هل مات اسم الأب؟ حين يختار الأبناء شطب الجذور

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

حين يبلغ الإسم حافة الأسطورة لا يعود مجرد حروف تعلق على باب بيت، بل يصير كائنا يقتات من أعمار أصحابه، ويشرب من دم الذاكرة كما تشرب الأشجار العتيقة من عظام المدن المدفونة. هناك، في الضفة التي تلتقي فيها الشهرة باللعنة، يفقد الإسم براءته الأولى، ويغدو قارة كاملة يحملها الإنسان فوق كتفيه، حتى إذا انحنى قليلا سقطت منه ممالك كاملة. فما الذي يحدث حين يقف الأبناء أمام مرآة الزمن ويقررون أن يخلعوا اسم الأب كما يخلع المسافر معطفا ثقيلا بعد شتاء لا ينتهي؟ أهي لعنة الشهرة التي تحول الأسماء إلى أقفاص من ذهب، أم هو وجع أعمق لا تراه الكاميرات، حيث تتشقق الروح بصمت، ويصبح الاسم نفسه صدعا يسير على قدمين؟

قديمة كان الناس يعتقدون أن اسم الأب ليس كلمة، بل نهر سري يجري في عروق الأبناء، وأن من يقطع ذلك النهر يوقظ في الأرض عطشا لا ينطفئ. أما اليوم، فقد صار الإسم أشبه بكوكب يمكن مغادرته، وجواز سفر يمكن تمزيقه، وصخرة يمكن دحرجتها إلى قاع الوادي دون أن يلتفت إليها أحد. كأن العالم الحديث أقنع الإنسان بأن الدم قابل للمحو، وأن الذاكرة مجرد ملف يمكن حذفه بضغطة إصبع. لكن الحقيقة أكثر غرابة من كل الأساطير. فالإسم لا يسكن الوثائق، بل يختبئ في الأماكن التي لا تصلها المحاكم. يقيم في نبرة الصوت حين ينادي طفل أباه للمرة الأولى، وفي رعشة اليد التي تعلمت الإمساك بأصبع أكبر منها، وفي ظل شجرة زرعت يوما لأنّ طفلا ولد تحت سمائها. لذلك فإنّ حذف الإسم من الورق لا يعني بالضرورة اقتلاعه من دهاليز الزمن، لأنّ الزمن لا يعترف بالأحكام المدنية، بل يكتب سجلاته بحبر لا يجف.

وهنا يطلّ سؤال أكثر وحشية من الخبر نفسه. هل هو انتقام امرأة من رجل هشم كبرياءها، حتى امتدت شظايا المعركة إلى الأبناء؟ أم أن الأمر أكبر من ثنائية المنتصر والمهزوم؟ فالمرأة المجروحة قد تتحول إلى ريح تعرف كيف تعيد رسم تضاريس الصحراء، والرجل المكسور قد يغدو جبلا يتآكل بصمت، وبين الريح والجبل يقف الأبناء مثل أشجار نبتت فوق فالق زلزالي، لا تعرف إلى أي أرض تنتمي جذورها.

غير أن اختزال كل شيء في فكرة الانتقام يظلم المأساة. فالعائلات الكبرى لا تتحطم بضربة واحدة، بل تتآكل كما تتآكل السفن القديمة من الداخل، بينما تبدو أشرعتها من بعيد ناصعة البياض. وما يراه الناس نهاية، قد يكون آخر فصل في حرب بدأت منذ سنوات داخل غرف لا يدخلها الضوء. الشهرة بدورها ليست نعمة كما يتخيّل كثيرون. إنها مرآة مفترسة تكبر كلّ خدش حتى يبدو أخدودا، وتنفخ كل همسة حتى تتحول إلى عاصفة. إنّها مخلوق أسطوري يطعم العالم صورا، ثم يلتهم أصحاب الصور واحدا بعد آخر. وفي حضرتها يصبح الأب شخصية عامة قبل أن يكون أبا، وتصير الأم أيقونة قبل أن تكون أمّاً، أمّا الأبناء فيولدون داخل متحف لا داخل بيت، حيث يراقب الغرباء حتى طريقة تنفسهم.

ولعل أكثر ما يثير الرهبة أنّ الإسم، في النهاية، ليس مُلكا للأب ولا للإن، بل مُلك للزمن. والزمن ساخر إلى حدّ القسوة. يمنح الإنسان اسما ليقنعه أنّه خالد، ثم يكتشف بعد عقود أنّ الأسماء نفسها تذوب كما يذوب الملح في بحر النسيان. وحدها الأفعال تبقى، لأنّها لا تحتاج إلى شهادة ميلاد ولا إلى قرار قضائي.

ربّما لهذا يبدو المشهد كلّه كأنّه أسطورة حديثة كتبها ناسك فقد إيمانه بالأشجار. أبناء يهربون من اسم، وأب يراقب صمتا يتّسع مثل كسوف لا نهاية له، وأمّ تحمل في قلبها مدنا احترقت ولم يخرج دخانها بعد. أمّا الحقيقة، فهي تقف بعيدا، تبتسم ابتسامة أبي الهول، وترفض أن تعترف لأحد بمن كان الضحية ومن كان الجلاد. ففي نهاية المطاف، ليس أكثر غرابة من أن يصبح الإسم، الذي كان أوّل هدية يتلقاها الإنسان عند ولادته، أوّل شيء يرغب في دفنه وهو ما يزال على قيد الحياة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *