حين صار البرد اختراعا يقي الإنسان من الشمس

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

كان الناس قديما يخافون الشتاء، ثم جاء زمن انقلبت فيه الفصول على نفسها، فصار الصيف هو الوحش الذي يخرج من مراياه كل صباح. لم تعد الشمس نجمة بعيدة تفيض نورا، بل حدادا عملاقا يطرق الأرض بمطرقة من نار، حتى يخيل للمدن أنها أوان خزفية توضع فوق موقد لا ينطفئ. وفي اليابان، حيث يتقن البشر فن مصادقة المستحيل، لم يعلنوا الحرب على الشمس، ولم يرفعوا أصواتهم في وجه السماء. صنعوا غرفة باردة تتسع لجسد إنسان، ثم جلسوا داخلها كما يجلس راهب في كهف من الثلج يصغي إلى نبض العالم من وراء جدار زجاجي. لم يكن الأمر مجرد ثلاجة ضخمة، بل كان محاولة لإعادة التوازن بين جسد من لحم، وكوكب بدأ يحترق ببطء.

هناك، حين يدخل العامل إلى ذلك الصندوق البارد، لا يشعر أنه انتقل من الحر إلى البرودة، بل كأنه عبر بوابة سرية بين فصلين يتنازعان السيادة على الزمن. في الخارج، الهواء يلهث كحيوان جريح، والأسفلت يذوب حتى يبدو كأنه مرآة سوداء تسيل فوق الأرض. أما في الداخل، فالبرودة تمشي بخفة ناسك عجوز، تمسح العرق عن الجباه كما تمسح الأمّ ذاكرة الحمى عن وجه طفلها. ويخيل إليك, قارئي الكريم, أنّ الحرارة ليست ظاهرة مناخية، بل مخلوق أسطوري خرج من جوف الشمس بعد أن ضاق صدره بالنار. يتجول فوق المدن، ويطرق النوافذ، ويجلس فوق أسطح البيوت، ثم يضع كفه الملتهبة على أكتاف المارة، حتى يصبح كل إنسان شمعة تمشي فوق قدمين.

أما الثلاجة البشرية، فهي ليست آلة كما يصفها المهندسون. إنها جزيرة صغيرة من الشتاء، اقتطعها اليابانيون من ذاكرة الجبال الثلجية، ثم أخفوها داخل مصنع مزدحم. كل من يدخلها يعود وفي رئتيه شيء من صمت القمم، وفي عينيه لمعة ماء لم تبتلعه الشمس بعد. والأعجب أنّ البرد نفسه يبدو وقد اكتسب روحا. يخرج من الجدران مثل حكيم يرتدي معطفا من الضباب، ويجلس إلى جانب العامل بصمت. لا يقول كلمة، لكنّه يعيد ترتيب أنفاسه كما يعيد أمين مكتبة ترتيب كتب بعثرتها الريح. وعندما يغادر الرجل، يبقى شيء من ذلك الحكيم معلقا على كتفيه، فيصبح الحر خارج الغرفة أقل شراسة، كأن النار نسيت أسنانها للحظات.

لقد كان الإنسان عبر تاريخه يبحث عن النار لينجو من الجليد. أمّا اليوم، فقد صار يبحث عن الجليد لينجو من النّار. يا لها من مفارقة تجعل التاريخ يبدو كأفعى تبتلع ذيلها، فلا يعرف أحد أين البداية وأين النهاية. وربما لن يتوقف الأمر عند ثلاجات تتسع للبشر. ربما سيأتي يوم تبني فيه المدن خزائن للفصول، فيفتح الناس بابا صغيرا ليقتبسوا ساعة من خريف، أو يستعيروا مساء من ربيع، أو يعلقوا على شرفاتهم غيمة مستعملة تخفف عنهم قسوة النهار. وعندها لن تصبح الفصول ضيوفا على الأرض، بل أثاثا منزليا يختاره الإنسان كما يختار لون جدرانه.

غير أن السؤال الذي يهمس به هذا المشهد يظل أكثر برودة من كل الثلاجات. ماذا يحدث لكوكب يحتاج أبناؤه إلى الاختباء داخل صناديق من الثلج كي يتمكنوا من مواصلة يوم عمل عادي. لعل الأرض لم تعد هي التي تدور حول الشمس، بل صارت الشمس تدور داخل قلوب المدن، تنفث فيها لهيبها بلا انقطاع. وحين يحلّ الليّل، وتخفت الضوضاء، يقال إنّ تلك الثلاجات لا تنام. تبقى أبوابها مواربة، تنتظر الأجساد المتعبة، بينما يجلس الشتاء في داخلها وحيدا، يراقب العالم من خلف طبقة رقيقة من الصقيع، ويبتسم في هدوء، كأنّه آخر شاعر بقي على قيد الحياة في عصر تعلمت فيه النّار كيف تكتب تاريخ البشر.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *