عيد العرش…الزمن يخلع عباءته أمام ذاكرة وطن

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ليست كل الأيام سواء. فبعض الأيام تمر على التاريخ كما تمر قطرة ماء على حجر، لا تترك إلاّ أثرا خفيفا سرعان ما يغيب. وبعض الأيام لا تمر، بل تقيم في الذاكرة، وتصبح جزءا من الروح الجماعية للأمم. وعيد العرش في المغرب واحد من تلك الايام التي لا تقاس بعدد السنين التي مرت، بل بما تحمله من رموز ومعان وأسئلة كبرى عن الدولة، والوطن، والاستمرارية، والعلاقة العميقة بين الانسان والأرض التي ينتمي إليها. فالوطن ليس مجرد مساحة مرسومة على خريطة، ولا حدودا تفصل بين الجهات، بل هو قصة طويلة كتبتها الأجيال جيلا بعد جيل، ونسجتها الأيدي التي عمرت، والعقول التي فكرت، والقلوب التي حملت معنى الانتماء. والمغرب، بما يحمله من تاريخ عريق، يشبه كتابا لا تنتهي صفحاته؛ كلّ عصر يضيف سطرا، وكلّ جيل يضع علامة من علامات حضوره، ثم يسلم الأمانة إلى من يأتي بعده.

يقول الحكماء: إنّ للأوطان أعمارا. ثم يصمتون حين يبلغون المغرب، لأنّهم يكتشفون أنّ بعض الأوطان لا تعيش في الزمن، بل الزمن هو الذي يعيش فيها. فالمغرب ليس خريطة معلقة على جدار العالم، بل صفحة من كتاب الوجود، كلّما حاول الزمن أن يطويها، وجد نفسه هو المطوي بين حروفها. يقال إن التاريخ يكتب الأمم، ولكن هناك أوطانا لا يكتبها التاريخ، بل يقف التاريخ عند أبوابها مستأذنا، ثم يدخل حاملا قلمه كأنه تلميذ بين يدي معلم قديم. ذلك هو سرّ المغرب؛ أنّه لا يسكن الجغرافيا فقط، بل تسكنه الجغرافيا، ولا يعبر الزمن فقط، بل يعبر الزمن من خلاله.

إنّ العرش في الوجدان المغربي ليس مجرد رمز تاريخي، بل صورة من صور الاستمرارية التي تصل الماضي بالحاضر، وتفتح للحاضر طريقا نحو المستقبل. هو فكرة تتجاوز الحجر والذهب، ليصبح معنى من معاني الدولة، وعلامة من علامات التواصل بين الأجيال. فالعرش ليس خشبا يعلو، ولا زينة تلمع، بل شجرة معنوية جذورها في أعماق التاريخ، وأغصانها تمتد نحو المستقبل. إن بعض الأشجار تشرب من الماء. أما الاشجار التي تسكن ذاكرة الأمم، فإنها تشرب من الزمن. ومنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، دخل المغرب مرحلة جديدة من مساره الحديث، حملت معها تحولات متعددة في مجالات التنمية، والبنيات التحتية، والانفتاح الاقتصادي، وتعزيز حضور المغرب في محيطه الإقليمي والدّولي. وتبقى كل مرحلة تاريخية محكومة بأسئلتها ورهاناتها، غير أن قيمة الدول هي بقدرتها على تحويل التحديات إلى مساحات للعمل والبناء. فالقيادة في معناها التاريخي ليست فقط قرارات تتخذ، بل مسؤولية عن توجيه مسار بلد بما يحفظ استمراريته ويستجيب لتحولات العصر.

إن الأمم الكبرى لا تعرف بما تبنيه من حجارة فقط، وإنما بما تبنيه من ثقة. فالطريق، قبل أن يكون إسفلتا، هو وعد بأن الناس سيصلون. والجسر، قبل أن يكون فولاذا، هو إيمان بأن الضفتين لا ينبغي أن تبقيا غريبتين. والميناء، قبل أن يكون أرصفة وسفنا، هو نافذة تطل منها البلاد على العالم. والمدينة، قبل أن تكون مباني وشوارع، هي قلب يتعلم كيف يسكن المستقبل. قال أهل الحكمة: إن النور لا يحتاج إلى أن يعلن عن نفسه، فهو يكشف الأشياء حين يحضر. وكذلك الأوطان العريقة لا تعرف بقوة صوتها، بل بقدرتها على أن تجعل حضورها محسوسا حتى في الصمت. فالنهر لا يحدث الناس عن عطائه، لكنّه يسقي الضفاف. والشجرة لا تتكلّم عن ظلّها، لكنّها تمنحه للعابرين. والشمس لا تشرح نورها، لكنّها توقظ العالم كلّ صباح.

أمّا الجالية المغربية في العالم، فهي فروع ابتعدت عن الجذع ولم تفقد سر الشجرة. فالمسافات لا تهزم الذاكرة، لأنّ الوطن الحقيقي لا يسكن العنوان فقط، بل يسكن اللغة، والحكاية، والحنين، وتلك الرابطة الخفية التي تجعل الإنسان يحمل أرضه في قلبه أينما ذهب. وفي عيد العرش، لا يعود السؤال فقط: ماذا تحقق؟ بل يصبح السؤال الأكبر: ماذا نريد أن نصنع؟ فالمستقبل ليس مكانا نصل إليه، بل أمانة نبنيها كل يوم. والامم لا تحفظ مكانتها بما ورثته فقط، بل بما تضيفه إلى ذلك الإرث من عمل وأمل وإبداع. فالمغرب ليس وطنا يسكن التاريخ، بل تاريخا اختار أن يسكن وطنا. وليس مجرد اسم على خريطة، بل حكاية مفتوحة تكتبها الأجيال. وكلّما حاول الزمن أن يغلق كتابه، وجد صفحة أخرى تنتظر أن تكتب. فبعض الأوطان لا تنتهي فصولها، لأنها لا تعيش بالحبر وحده، بل تعيش بالنور الذي تتركه في قلوب أبنائها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *