عندما تنتصر الهوية على إغراءات الاحترافية

بقلم الإعلامي حيمري لبشير, كوبنهاكن-الدنمارك

في زمن أصبحت فيه كرة القدم أكثر من مجرد لعبة، وتحولت إلى فضاء تتقاطع فيه الهوية والجغرافيا والسياسة والذاكرة، تبرز قصص إنسانية تختزل المعنى الحقيقي للانتماء. ومن بين هذه القصص، يسطع نجم لاعب شاب ولد في الدنمارك، وتكوّن داخل مدارسها الكروية، لكنه ما زال يحمل في وجدانه وطنا لم يولد على أرضه، بل ورثه عن والديه اللذين ينحدران من مدينة بركان، ويحملان في قلبيهما حبا للمغرب لم تضعفه سنوات الغربة. هذا اللاعب، الذي بدأ يلفت الأنظار في الملاعب الدنماركية بموهبته اللافتة ونضجه الفني رغم صغر سنه، يمثل نموذجا جديدا لجيل من أبناء الجالية المغربية الذين استطاعوا الاستفادة من جودة التكوين الأوروبي دون أن يقطعوا جذورهم مع الوطن الأم. فبينما ترى فيه الكرة الدنماركية مشروع لاعب للمستقبل، يبقى حلمه الشخصي، كما تؤكد أسرته، ارتداء القميص المغربي والدفاع عن ألوان “أسود الأطلس”، وفاء لوطن ظل حاضرا في تفاصيل حياته اليومية رغم المسافة.

ولعل ما يمنح هذه القصة بعدا إنسانيا أعمق، أن هذا التعلق بالمغرب لم يكن مجرد شعار، بل ثمرة تربية أسرية واعية. فقد حرص والداه، المنحدران من مدينة بركان ومن أسرة تمتد جذورها إلى إقليم فكيك، على غرس قيم الانتماء في أبنائهما، وجعل زيارات المغرب جزءا من الذاكرة العائلية، حتى أصبح الوطن بالنسبة إلى الابن حقيقة وجدانية قبل أن يكون مجرد جنسية على وثيقة رسمية. إن أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين يعيشون معادلة معقدة؛ فهم أبناء المجتمعات الأوروبية التي نشأوا فيها، لكنهم في الوقت نفسه يحملون إرثا ثقافيا وعاطفيا يربطهم ببلد الآباء والأجداد. وفي كرة القدم تحديدا، تتحول هذه المعادلة إلى قرار مصيري، لأنّ اختيار المنتخب الوطني ليس مجرد خطوة رياضية، بل إعلان عن هوية وانتماء ورؤية للمستقبل. وقد أثبتت التجربة المغربية خلال العقد الأخير أن الاستثمار في أبناء الجالية لم يعد خيارا تكتيكيا، بل أصبح ركيزة استراتيجية في مشروع بناء منتخب عالمي. فالنجاحات التي حققها المغرب على الساحة الدولية كانت ثمرة رؤية أدركت أن الكفاءة لا تعترف بالحدود، وأن اللاعب الذي يتكوّن في كوبنهاغن أو أمستردام أو بروكسيل أو باريس، يستطيع أن يصبح امتدادا طبيعيا للمشروع الكروي المغربي إذا وجد الاحتضان والثقة.

وفي هذا السياق، تبدو قصة هذا اللاعب الشاب أكثر من مجرد حكاية موهبة صاعدة؛ إنها رسالة إلى المؤسسات الرياضية المغربية بضرورة مواصلة العمل الاستباقي في تتبع المواهب داخل مختلف مراكز التكوين الأوروبية، وبناء جسور تواصل مبكرة مع اللاعبين وأسرهم، حتى يشعروا بأن المغرب لا يتذكر أبناءه عندما يصبحون نجوما، بل يرافقهم منذ خطواتهم الأولى. ويكتسب هذا الرهان أهمية مضاعفة مع اقتراب كأس العالم 2030، التي سيستضيفها المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال. فهذا الموعد التاريخي لا يمثل فرصة لتنظيم بطولة عالمية فحسب، بل يشكل مشروعا وطنيا لاستعراض قوة المدرسة الكروية المغربية، التي تجمع بين مواهب الداخل وخبرات أبناء المهجر في منظومة واحدة. ولعلّ أجمل ما في هذه القصة أنها لا تتحدث عن لاعب يبحث عن فرصة، بل عن شاب يرى في تمثيل المغرب امتدادا لتاريخ عائلته ووفاء لتربية والديه، اللذين حملاه، منذ طفولته، على حب وطن ظل حاضرا في الوجدان رغم البعد الجغرافي. فمثل هذه القيم هي التي تصنع اللاعبين الكبار قبل أن تصنعهم الأكاديميات وملاعب التدريب.

إن المغرب، الذي نجح في تحويل جاليته إلى أحد أهم روافد قوته الناعمة، يملك اليوم فرصة تاريخية لتعزيز هذا المسار عبر استقطاب جيل جديد من المواهب التي تربت في أفضل المدارس الكروية الأوروبية، لكنها ما زالت تنظر إلى القميص المغربي باعتباره حلماً وهوية ورسالة. تبقى الموهبة بحاجة إلى فرصة، كما يبقى الوطن بحاجة إلى أبنائه أينما كانوا. وإذا كان هذا اللاّعب الشاب يواصل كتابة فصول نجاحه في الملاعب الدنماركية، فإن الفصل الأجمل قد يكون ذلك الذي يبدأ يوم يرتدي قميص المنتخب المغربي، ليس فقط لأنه لاعب موهوب، بل لأنه اختار أن يجعل من الانتماء قيمة تتقدم على كل الإغراءات، وأن يكتب اسمه في سجل جيل جديد يؤمن بأن المجد الحقيقي يبدأ عندما تتحول الموهبة إلى وفاء، ويتحول الوفاء إلى تاريخ.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *