بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك لحظات لا يكتبها التاريخ، بل يهمس بها الكون لنفسه وهو يبتسم ابتسامة لا يراها أحد. في تلك اللحظات يتقاعد المنطق قليلا، ويجلس العقل على مقعد المتفرجين، ثم يفتح القدر نافذة صغيرة في جدار المستحيل، ويقول للبشر: انظروا كم كنتم واثقين من قوانينكم الهشة. لم تكن المرأة قد ألقت ورقة في سلة المهملات، بل ألقت مستقبلا كان لا يزال يتنفس. الورقة لم تكن تعرف أنها تحمل مليون يورو، كما أن البذرة لا تعرف أنها تخبئ غابة، والنجمة لا تدري أنها تهدي بحارا طريقه، والإنسان نفسه لا يعلم أن داخله مجرة كاملة تظل تدور في صمت حتى يوقظها حادث عابر.
كم يبدو المال مضحكا حين يختبئ في هيئة ورقة لا تختلف عن إيصال متجر. الثروة ليست سوى فكرة وافق الناس على تصديقها. قطعة من الورق تستطيع أن تفتح قصورا أو تغلق سجونا أو تغير أسماء المدن في ذاكرة أصحابها. ومع ذلك، تستطيع اليد ذاتها أن ترميها في القمامة لأنها لم تميز بين الورقة التي تشبه الجميع، والورقة التي قرر القدر أن يجعلها استثناء. وكأن العالم كله كان يختبر بصيرتنا لا أبصارنا. فالعين ترى الورق، أما البصيرة فترى الاحتمالات. العين تحصي الأشياء، أمّا البصيرة فتزن المعاني. لذلك تمتلئ الأرض بأناس يعبرون فوق مناجم وهم يظنون أنهم يسيرون فوق تراب عادي، ويجلسون إلى جوار عباقرة يعتقدون أنهم مجرد غرباء، ويهدرون أعمارهم بحثا عن مفاتيح جديدة، بينما المفتاح القديم يصدأ في جيوبهم.
ثم جاءت شاحنة القمامة. يا لها من مركبة غريبة. ليست مجرد آلة تجمع الفضلات، بل سفينة تعبر محيط النسيان. كل صباح تحمل معها ما قررت المدن أن تمحوه من ذاكرتها. بقايا موائد، ورسائل ممزقة، وصور فقدت أصحابها، وألعاب هجرتها طفولتها، وأحلام ماتت قبل أن تجد نافذة. إنها ليست شاحنة، بل نهر أسود يجرف ما لم يعد أحد يعترف بوجوده. لكن ذلك النهر أخطأ هذه المرة. لقد ابتلع كنزا لم يكن ينبغي أن يبتلعه، فأجبر على التوقف، كأن الزمن نفسه اصطدم بحجر صغير في مجراه. وفجأة لم تعد أكياس القمامة أكياسا، بل صارت قارات من الاحتمالات. وكل كيس يفتح كان يشبه فتح تابوت فرعوني، لا يعرف أحد أي كنز أو أي لعنة يختبئ في أعماقه. أما عمال النظافة، فقد بدوا في تلك الساعات كأنهم آخر فرسان الرحمة في مدينة أنهكها الإسفلت. لم يكونوا ينبشون النفايات، بل كانوا يعيدون ترتيب العلاقة بين الإنسان وأمله. كانوا يحفرون في الطبقة التي يخجل الجميع من النظر إليها، بينما كانت الإنسانية كلها تخرج من بين أصابعهم قطعة بعد أخرى.
ما أعجب هذا العالم. الطبيب يبحث في الجسد عن الحياة، والفلكي يبحث عنها بين النجوم، وعامل النظافة وجدها في قاع الحاوية. ومن يدري. ربما ليست القمامة سوى الوجه الآخر لذاكرتنا. نحن لا نرمي الأشياء لأنها فقدت قيمتها، بل لأننا فقدنا القدرة على رؤية قيمتها. كم من حلم دفناه لأنه بدا مستحيلا. كم من صديق ألقيناه خارج القلب بسبب سوء فهم صغير. كم من موهبة تعاملنا معها كما نتعامل مع صحيفة الأمس. ثم بعد سنوات وقفنا مذهولين أمام الفراغ الذي تركته، كما وقفت تلك المرأة تلاحق شاحنة تمضي حاملة معها حياة كاملة. إن الإنسان كائن بارع في التخلص من كنوزه. يرمي الوقت لأنه يظنه وفيرا، ويرمي الصحة لأنه يظنها خالدة، ويرمي الحب لأنه يتوهم أن القلوب تتكاثر كما تتكاثر الأشجار. ثم يكتشف متأخرا أن الزمن لا يملك إدارة للمفقودات، وأن العمر لا يعيد إرسال ما خرج من بابه.
لكن هذه الحكاية عصت قوانين الفقد. كأنّ السماء أرادت أن تمنح البشرية استثناء صغيرا، لتذكّرها بأنّ الرحمة لا تزال تتسلّل أحيانا بين تروس العالم الصدئة. فليس كلّ ما يسقط يهلك، وليس كلّ ما يضيع يموت، وليس كل باب يغلق يتحول إلى جدار. هناك أبواب تواصل الوقوف في الظّلام، تنتظر فقط يدا تملك شجاعة العودة. ولعلّ أعظم ما في القصة أنّ البطل لم يكن المليون، بل الأخلاق التي رفضت أن تعتبر اليأس أمرا واقعا. فالثروة تستطيع أن تشتري قصرا، لكنها لا تستطيع أن تشتري ضميرا. والمال يستطيع أن يغير عنوان بيت، لكنه يعجز عن صناعة إنسان يقرر أن يقضي ساعات بين الروائح الثقيلة لينقذ حلما لا يخصه.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. الحضارة لا تبدأ عندما تخترع المدن آلات أذكى، بل عندما يبقى قلب الإنسان أذكى من الآلة. الآلة قالت إن الورقة لا معنى لها، أما البشر فأصروا على أن الحقيقة قد تختبئ في أصغر التفاصيل. ولذلك ستظل هذه الواقعة أكبر من جائزة، وأعمق من خبر، وأبقى من ضجة يومية. إنّها مرآة هائلة وضعها القدر أمام وجوهنا، لنسأل أنفسنا سؤالا يخيف أكثر مما يطمئن: كم مليون يورو رمزي ألقيناه في قمامة أرواحنا دون أن نشعر؟ كم موهبة دفناها لأنّها لم تلمع في يومها الأول؟ كم فرصة مرت بجوارنا متنكرة في ثياب ورقة عادية، فصرفنا عنها النظر لأننا اعتدنا أن نثق بالمظاهر أكثر مما نثق بالاحتمالات؟ ربما لم يكن الكنز في الورقة قط. ربّما كان الكنز في تلك الحقيقة التي لا يتعلمها الإنسان إلا بعد عمر طويل: أنّ الحياة تخبئ أثمن عطاياها في الأماكن التي يخجل الجميع من تفتيشها، وأن المعجزات لا تولد دائما تحت أضواء المسارح، بل كثيرا ما تنهض من العتمة، مغطاة بغبار الطريق، حاملة رائحة القمامة، وهي تضحك من غرور العقل الذي ظن أنّه أحصى أسرار الوجود.
📲 Partager sur WhatsApp