دنيا الأمل إسماعيل, شاعرة ومختصة في الأدب الفلسطيني -باريس
باسل المقوسي فنّان تشكيلي متعدد المواهب، غزير الإنتاج، يرسم كما لو أن الرسم شرط وجوده، وكأن توقفه عن الرسم انقطاع عن الحياة نفسها. بين الرسم بوصفه فعل حياة، والموت بوصفه عجزا عن الخلق، يخوض باسل معركته اليومية ضد كل ما يصادر الجمال، ويقوض المعنى، ويطفئ بهجة الإنسان. في أعماله تتجلى تناقضات الفلسطيني كلها: صخبه، وعنفوانه، وهشاشته، وصراعاته المتعددة مع الحياة، ومع الاحتلال، ومع القبح الذي يحاصر تفاصيل يومه. ثم جاءت الحرب على غزة لتضاعف شعوره بالتشظي، لا بوصفه حالة فلسطينية فحسب، بل بوصفه تجربة إنسانية وجودية. وجد نفسه منفصلا عن سياقه الطبيعي، وعن كينونته الملتصقة بتفاصيل حياته اليومية، الفنية منها والمعيشية.

جاءت الحرب قسرا، كما جاءت إلى جميع الفلسطينيين، من دون أن يختاروها، فأجبرته على أن يعيش شروطها الوجودية والفنية داخل خيمة تحولت إلى بيت ومرسم وأفق ضيق، تحاصره القسوة ويلازمه شبح النزوح الدائم. غدت الخيمة المسافة الفاصلة بين المكان الأول، حيث الهوية الأولى والذاكرة الأولى، وبين أمكنة متعاقبة تتبدل فيها الجغرافيا، بينما تظل الهوية معلقة بين العبور والإقامة، بين المؤقت والدائم. تحت وطأة هذا التحول العنيف، انكسرت البوصلة الإنسانية، وانعكس ذلك بوضوح على أعماله. تشبث بالرسم كما يتشبث الغريق بخشبة نجاة، فغدت اللوحة ملاذا أخيرا يحتمي به من طوفان الحرب، ومن إهانة الكرامة، ومن بؤس الوجود، ومن انهيار المعنى.

قبل الحرب، كانت لوحات باسل عامرة بتفاصيل متشابكة، تتدفق فيها العناصر من دون فواصل، وتشتعل بالألوان كما لو أنها نار تنبعث من قلب اللوحة. كانت ثورة لونية توازي الثورة الكامنة في مضمونها، ثورة على الألم، وعلى القهر، وعلى هندسة الواقع التي أرادت اختزال الإنسان الفلسطيني في صورة واحدة. كان الصخب اللوني العلامة الأكثر تميزا في تجربته، حتى غدا واحدا من أبرز ملامح هويته الفنية، وبصمة حافظ عليها طوال سنوات، رغم الضجيج البصري الذي طبع تجارب كثيرة في المشهد التشكيلي الغزي.
مع الحرب تبدلت الأشياء، وانقلبت المعاني، وتغيرت القناعات. لم ينج أحد من زلزالها، لا الفنانون، ولا الكتاب، ولا الناس العاديون. في خيمة نزوحه، بعيدا عن مخيم جباليا، أعاد باسل شحذ أدواته الفنية لمقاومة تحويل النزوح إلى هوية نهائية. سن أقلام الفحم، واستدعى روحه المشبعة بعناد أهل الشمال، وأطلق حسه التشكيلي ليعيد رسم المأساة الفلسطينية خارج القوالب البصرية المكرورة. انسحب بهدوء من ثورة اللون إلى ثورة المعنى. لم يعد اللون بطلا للوحة، بل أصبحت الفكرة هي مركز الجاذبية. واستعاد الفن، في أكثر لحظاته قسوة، وظيفته الأولى: أن يكون شاهدا، وسؤالا، وصرخة، لا مجرد لعبة جمالية. انتقل من ازدحام اللوحة إلى اقتصادها، ومن كثافة التفاصيل إلى عمق الدلالة. صار اللون الأسود سيد المشهد، لا باعتباره غيابا للألوان، بل حضورا مكثفا للمعنى. أصبحت المساحات البيضاء أكثر بلاغة، والصمت أكثر قدرة على الكلام.

لم تعد لوحات القماش متاحة، كما أن فضاء الخيمة لا يحتمل رفاهية المرسم التقليدي. أصبح دفتر الرسم هو الوطن المؤقت، والمساحة التي يمكن حملها أثناء النزوح. وكأن الحرب لم تشظ الإنسان وحده، بل شظت أيضا أدوات الفن ووسائطه. ربما لم يعد هناك لون أكثر صدقا من الأسود في التجربة الفلسطينية. فهو ليس لون الحداد وحده، بل لون الذاكرة، ولون الرماد الذي يسبق ولادة جديدة.لااحتل الأسود صفحات دفاتر باسل، وأصبحت الشخصيات أكثر هدوءا، وأكثر عمقا في تعابيرها. وجوه لا تصرخ، لكنها تحمل استسلاما قدريا ممزوجا بكرامة صامتة، وغرابة وجودية تجعلها تبدو كأنها خرجت من زمن آخر.

ولا يقتصر عالم باسل على الرسم وحده. فهو يشتغل أيضا على الفيديو آرت، وينجز أعمالا متتابعة تبدو كأنّها فصول كتاب بصري مفتوح، حيث تقود كلّ لوحة إلى الأخرى، حتى تكتمل الحكاية. ولأنّه حكاء بصري بامتياز، كان عليه أن يبحث عن متلق قادر على إكمال الحكاية معه. ولم يجد أكثر استعدادا من الأطفال. معهم تتحول الورشة الفنية إلى مختبر للخيال، وإلى مساحة يعاد فيها إنتاج الحكاية الفلسطينية بالرسم واللون واللعب، في مواجهة آلة الموت التي تسعى إلى محو كل شيء. يمتلك باسل رؤى ومشاريع فنية كثيرة، ويواصل، بطريقته الخاصة، معركته من أجل تثبيت الوجود الفلسطيني داخل اللوحة، لا بوصفها مساحة تشكيلية فحسب، بل بوصفها فضاء وجوديا. فاللوحة هي أرض الفنان، تماما كما أن الأرض الفلسطينية هي اللوحة الكبرى التي يرسم عليها الفلسطيني وجوده. وكل منا يحمل لوحته الخاصة داخل الفسيفساء الكبرى التي اسمها الوطن.

قبل الحرب، كان المتلقي يقف أمام لوحات باسل مترددا بين الفرح والحزن. كانت الألوان تقوده إلى احتفال بصري، بينما كانت المعاني تفتح له أبواب الأسى. كان الفرح يسكن السطح، والحزن يقيم في الأعماق. أما بعد الحرب، فقد انعكست المعادلة. أصبح الحزن ظاهرا في الشكل، لكنّه يخفي في داخله بذورا شفافة للأمل، وإشارات خافتة إلى إمكانية الانعتاق، وإلى إيمان عميق بأنّ الحياة، مهما انكسرت، قادرة على أن تعيد تشكيل نفسها. لقد شكلت الحرب على غزة منعطفا حاسما في تجربة باسل المقوسي. فقد قسمت مشروعه الفني إلى مرحلتين واضحتين: مرحلة كانت الحياة فيها تفرض إيقاعها الصاخب، ومرحلة أصبحت الحرب فيها تفرض عتمتها الثقيلة. ومن قلب هذا التحول، تبدلت الرؤية، وتغيرت الأدوات، وأعيد بناء اللغة البصرية بأكملها. ولم يعد الفن عند باسل مجرد تمثيل للواقع، بل أصبح محاولة لإعادة تركيب الإنسان الفلسطيني نفسه بعد أن حطمته الحرب. إنه يجمع شظايا الجغرافيا، والذاكرة، والهوية، والزمن، والمعنى، ليعيد صياغتها في جسد بصري واحد، وفي صورة واحدة، وفي لوحة واحدة، محاولا أن يحقق بالفن ما عجز الواقع عن تحقيقه: استعادة وحدة الإنسان الفلسطيني.
📲 Partager sur WhatsApp
الفنان، صديق الأرض وإنسانية الإنسان، ابن النور والظل، وهي الخاصية التي تتميز بها الحقيقة بما هي حقيقة الوجود: تتجلى كالوميص تتأرجح إنراته بجدلية النور المعتم، هو في البين- بين بحسبان.
لما تضيق العبارة من قوة هول المأساة ، تبقى لغة الوميض هي الملجأ الأخير، وهي اللغة التي تقول من دون أن تقول، هي تظهر فقط لتترك للعالم أن يتأمل ماذا فعلت يد الإنسان بأخيه الإنسان، باعتماد القوة والتقنية ودم التدمير، الدم الذي يتنفس فكر الأنوار المظلمة….