بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليست الدول وحدها هي التي تشيخ. حتى الأرقام تشيخ. غير أن شيخوخة الأرقام ليست تجاعيد على وجه الورق، بل صدوع خفية تمتد في عظام الزمن. وما يسمى اليوم بالدّيْن العام الفرنسي ليس رقما يقف في هامش الميزانية، بل هو نهر من الأيام المؤجلة، تتدفق مياهه في الاتجاه المعاكس، من الغد نحو الأمس، حتى غدا المستقبل نفسه ينبوعا يسقي عطش الماضي. من يكتفي بالقول إن الحرب في أوكرانيا رفعت التضخم، وإن التضخم رفع أسعار الفائدة، وإن الفائدة رفعت كلفة الدين، يشبه من يظن أن البركان ولد في اللحظة التي خرج فيها الدخان من فوهته. أمّا النّار الحقيقية، فقد كانت تنام منذ زمن بعيد في قلب الجبل، تسمع وقع أقدام العابرين ولا تكشف لهم سرّها. إنّ التاريخ الاقتصادي لا يكتب بالحبر، بل بطبقات من الصمت. وفي صمت العقود الماضية كانت فرنسا تنسج عباءة واسعة من الوعود. مدارس ومستشفيات وشبكات حماية اجتماعية ومعاشات تقاعد ودعم للزراعة والصناعة والثقافة. كانت الدولة تشبه شجرة أسطورية تمدّ أغصانها فوق الجميع، حتى ظنّ الناس أنّ الظل حقّ من حقوق الطبيعة، لا ثمرة لشجرة تحتاج كل يوم إلى ماء جديد. لكن الأشجار العظيمة لا تموت حين تجف أوراقها، بل حين تصبح جذورها أعمق من قدرة الأرض على احتضانها.
هنا تكمن المأساة التي لا تراها نشرات الاقتصاد. الدّيْن ليس المال الذي اقترضته الدولة، بل الزمن الذي اقترضته. كل سند حكومي ليس ورقة مالية، بل رسالة مغلقة بعثها جيل إلى جيل لم يولد بعد، يقول فيها: سنعيش نحن اليوم، وستدفعون أنتم الثمن حين يصبح لكم صوت. ولسنوات طويلة بدا الأمر أشبه بمعجزة سماوية. الفائدة تقترب من الصفر، والأسواق تفتح أبوابها، والمستثمرون يتزاحمون على شراء السندات الفرنسية كما لو أن المستقبل قد وقع عقد سلام أبدي مع الحاضر. كان المال رخيصا إلى درجة جعلت السياسيين ينسون أن الرخص قد يكون أخطر أنواع الغلاء. فما يبدو هدية من الزمن، قد يكون فخا نصبه الزمن نفسه. ثم تبدل المشهد. ارتفعت الفائدة، لا كرقم مصرفي، بل كقانون كوني يعيد التوازن إلى الأشياء. وفجأة اكتشفت الدولة أن الديون لا تنام، وأنها كانت تنمو في العتمة مثل جذور شجرة سوداء، تمد خيوطها في أعماق الأرض حتى صارت كل ورقة نقدية تسقط في الخزانة تسمع همس تلك الجذور وهي تطالب بحقها القديم.
إن أعظم خدعة في الاقتصاد أن الناس لا يرون الكارثة وهي تتشكل. الكوارث لا تأتي على هيئة انفجار، بل على هيئة اعتياد. كل سنة يضاف عجز صغير. كل حكومة تؤجل القرار الصعب. كل انتخابات تخلق وعدا جديدا. وكل وعد يضع حجرا آخر فوق ظهر حصان يواصل السير في صمت. وحين يسقط الحصان، يندهش الجميع، كأن الحجر الأخير وحده هو الذي قتله. العالم كله يحمل ديونا، نعم. لكن ليس كل من يحمل صخرة يحملها بالطريقة نفسها. بعض الدول تمشي والصخرة فوق كتفيها. أما فرنسا، فقد صنعت من الصخرة تمثالا، ثم جلست تتأمل جماله حتى نسيت أنه يزداد ثقلا كل صباح. والحقيقة الأكثر قسوة أن الاقتصاد لا يعاقب الدول، بل يكشفها. إنه مرآة لا ترحم. يكشف مقدار ما تملكه الأمة من شجاعة لتقول لا، حين تصبح كلمة نعم طريقا أقصر إلى التصفيق. فكل دين هو في جوهره تصويت مؤجل بين الراحة والانضباط، بين اللحظة والأبدية. ربما كانت فرنسا ضحية أزمة عالمية، لكن الأزمات العالمية تشبه الرياح التي تهب على غابة. الشجرة السليمة تتمايل، أما الشجرة التي أكلها العفن من الداخل فتسقط. ليست الريح هي التي صنعت العفن، بل هي التي كشفت وجوده.
وهكذا يصبح السؤال الحقيقي مختلفا تماما. ليس لماذا ارتفعت كلفة الدين، بل لماذا تحول الدين، عبر سنوات طويلة، من أداة لبناء المستقبل إلى وسيلة لتأجيل مواجهته. في الأساطير القديمة كان هناك تنين لا يلتهم الفرسان، بل يلتهم الساعات. وكلما مر يوم، ازداد حجمه، لا لأنّه يأكل البشر، بل لأنّه يأكل الزمن الذي كان يمكن أن ينقذهم. والدين العام يشبه ذلك التنين. لا يسرق النقود أولا، بل يسرق الغد. وحين يصل الناس إلى الغد، يجدونه قد التهمه قبل وصولهم. ولعل أكثر المفارقات سخرية أن الحضارة التي علمت العالم معنى العقلانية المالية منذ قرون، تقف اليوم أمام سؤال لا تجيب عنه الجداول ولا المؤشرات. كيف يمكن لدولة عظيمة أن تستعيد حريتها من دين لم يولد في يوم واحد، ولن يموت في يوم واحد. الجواب ليس في التقشف وحده، ولا في الضرائب وحدها، ولا في النمو وحده. الجواب يبدأ حين تدرك الأمم أنّ الزمن ليس مصرفا يمنح القروض إلى الأبد، وأنّ المستقبل ليس أرضا مهجورة يمكن استعمارها بلا مقاومة. فالمستقبل، مهما طال صمته، يعود دائما. لكنّه لا يعود شاهدا… بل قاضيا.
📲 Partager sur WhatsApp