أراد أن يكبّر قضيبه فوجد أن الموت كان أكبر
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة زمن غريب بلغ فيه الإنسان من مهارته في صناعة صورته حدّا صار معه الجسد نفسه مشروعا تجاريا، والوجه إعلانا، والعضلة سيرة ذاتية، والشفاه بيانا سياسيا، والأنف منشورا، وكل عضو قابلا لأن يدخل سوق التحسين إذا أقنع صاحبه أن النسخة التي ولد بها ليست النسخة التي يستحقها. وفي هذا الزمن، لم يعد السؤال القديم: «من أنا؟» صار السؤال أكثر لمعانا وأقل براءة: «كيف أبدو؟» ثم جاء السؤال الأشد غرابة: «كيف أبدو أكبر؟» ومن هنا تبدأ حكاية إيغو «تايني» أوبيريبو، رجل الأعمال والمؤثر البريطاني-النيجيري البالغ من العمر ثلاثة وأربعين عاما، الذي ذهب إلى بانكوك مع زوجته في رحلة كان يفترض أن تكون واحدة من تلك الرحلات التي يعود منها المرء بصور جديدة وذكريات جديدة وربما قصة يرويها لأصدقائه. لكنه عاد من العالم الآخر.
في 5 مارس 2026، خضع في عيادة تايلاندية لم يُكشف عن اسمها لإجراء تجميلي لزيادة محيط القضيب، باستخدام نحو 40 ملليلترا من حمض الهيالورونيك ممزوجا بالليدوكايين، وفق ما سمعته جلسة التحقيق أمام محكمة الطب الشرعي في لندن. وبعد الإجراء ذهب مع زوجته إلى جلسة تدليك. هناك بدأ يشكو من ألم في الصدر، ثم فقد الوعي مرتين. نُقل إلى مستشفى سوكومفيت، وتدهورت حالته بسرعة، وحاول الأطباء إنعاشه لأكثر من مئة دقيقة، لكنه توفي في الساعات الأولى من 6 مارس. كان يمكن للقصة أن تُكتب في سطر طبي بارد: «وفاة رجل يبلغ 43 عاما بسبب انسداد رئوي.» لكن الحياة الحديثة لا تموت في سطر. الحياة الحديثة تموت وسط ملايين الصور. كان الرجل معروفا على شبكات التواصل بأسماء منها Tiny وDenisi وEgo، وكان لديه نحو 185 ألف متابع على إنستغرام، ويعيش حياة مترفة يعرض بعض تفاصيلها أمام جمهوره. امتلك منزلا في لوس أنجلوس وشقة في لندن، وتزوج مصممة الأزياء دانييلا سيمبا ألين في مراسم قيل إن تكلفتها بلغت 473 ألف دولار. وبعد وفاته دُفن في لندن داخل تابوت ذهبي قدرت تقارير قيمته بنحو 745 ألف دولار.
وهنا، فجأة، يصبح الذهب سؤالا فلسفيا. ما الذي يستطيع المال أن يفعله بالجسد؟ يستطيع أن يغيّر شكله. أن يشتري له عطرا. أن يكسوه بثوب لا يستطيع راتب موظف عادي أن يقترب من سعره. أن يضعه في طائرة خاصة. أن يأخذه إلى عيادة في مدينة بعيدة. أن يحيط الجنازة بالترف. لكنه لا يستطيع أن يفاوض الرئة. الرئة، في النهاية، عضو ديمقراطي للغاية. لا تعرف كم تملك. لا تعرف عدد متابعيك. لا تعرف سعر منزلك. ولا تعرف كم كلف زفافك. حين يتوقف الهواء، لا تسأل الرئة عن عدد الأصفار في الحساب المصرفي. وهنا تكمن المفارقة التي تجعل حكاية «تايني» أكبر من مجرد خبر عن وفاة رجل بعد إجراء تجميلي. إنها حكاية عصر كامل. عصر أصبح فيه الإنسان يعيش أمام مرآتين: مرآة قديمة يرى فيها نفسه. ومرآة جديدة، اسمها الأنترنت، يرى فيها نفسه كما يريد للآخرين أن يروه. والكارثة أن المرآة الثانية لا تشبع. المرآة القديمة تقول لك: «هذا جسدك.» أما مرآة المنصات فتقول: «يمكن أن يكون أفضل.» ثم تهمس: «أكبر.» «أنحف.» «أكثر لمعانا.» «أكثر شبابا.» «أكثر إثارة.» «أكثر فخامة.» «أكثر قابلية للتصوير.» وهكذا يتحول الإنسان من ساكن في جسده إلى مدير أعمال لجسده. يبدأ بتعديل صورة. ثم تعديل وجه. ثم تعديل عضلة. ثم تعديل شيء آخر. وفي النهاية لا يعود يعرف أين تنتهي الطبيعة وأين تبدأ النسخة التجارية من نفسه.
لقد كان الجاحظ، لو عاد اليوم، سيحتاج إلى مجلد جديد من «الحيوان» لا يتحدث فيه عن البغال والحمير والغربان فحسب، بل عن ذلك الحيوان العجيب الذي يمشي في الشارع حاملًا هاتفًا أمام وجهه، ويتفقد صورته كل ثلاث دقائق ليتأكد أن وجوده ما زال قائما في أعين الآخرين. كان الجاحظ سيضحك طويلا. ثم ربما يكتب: إن الإنسان أشد الحيوانات ولعا بإصلاح ما لم يطلب منه أحد إصلاحه. فالطاووس لا يذهب إلى عيادة ليزيد طول ريشه. والأسد لا يضع مادة في وجهه كي يبدو أكثر هيبة. والحصان لا ينظر إلى حصان آخر ثم يقول: «ماذا لو كانت رقبتي أطول قليلا؟» أما الإنسان، ذلك الكائن الذي منحه الله العقل، فقد استخدم العقل لا لكي يقبل هشاشته، بل لكي يخترع ألف طريقة للاعتراض عليها. وهذه ليست إدانة للجمال. الجمال قديم قدم الإنسان. بل ربما كان الإنسان أول مخلوق اخترع كلمة «جميل». لكن هناك فرقا هائلا بين أن تحب جمالك، وأن تصبح عبدا لفكرة أن جسدك لا يساوي شيئا إلا إذا أعجب الآخرين.
الجمال حين يتحول إلى سلعة يبدأ بابتسامة وينتهي أحيانا بفاجعة. ولا يعني ذلك أن كل إجراء تجميلي خطر، ولا أن كل حقن يؤدي إلى كارثة. لكن قصة أوبيريبو تذكّر بحقيقة طبية قاسية: المواد المحقونة في إجراءات التجميل يمكن، في حالات نادرة، أن تدخل الأوعية الدموية وتنتقل إلى أماكن لا ينبغي أن تصل إليها. وفي هذه الحالة تحديدًا، أظهرت نتائج ما بعد الوفاة وجود مادة في الرئتين متوافقة مع المادة المحقونة، وخلصت التحقيقات الطبية إلى أن الإجراء أدى إلى الانصمام الرئوي القاتل. والانصمام الرئوي ليس اسما شاعريا. إنه عندما يُسد وعاء دموي في الرئة، فيتعطل مرور الدم. الرئة، التي تبدو لنا عضوا بسيطا لأنها لا تتكلم، تحمل في داخلها نظاما هائلا من الأوعية الدقيقة. يمكن أن تتحول المادة التي كان يفترض أن تبقى في موضع محدد إلى مسافر بلا جواز سفر داخل الدورة الدموية. وهنا يصبح الطب شبيها بفلسفة الرعب: شيء صغير جدا قد يعيد كتابة مصير جسد كامل. في لحظة واحدة، ينتقل الإنسان من «أنا أريد أن أبدو أفضل» إلى «هل تستطيعون إنقاذي؟». وهذه المسافة القصيرة بين الجملتين هي المسافة التي لا يراها الإعلان. الإعلان يعرض النتيجة. الطبيب يرى المخاطر. والإنسان غالبا لا يرى إلا الصورة التي يريدها.
ربما كانت إحدى أكثر مفارقات عصرنا أن التكنولوجيا جعلت الجسد أكثر قابلية للتعديل، لكنها لم تجعل الإنسان أكثر تصالحًا معه. كلما ازداد عدد الطرق التي نستطيع بها تغيير أجسادنا، ازداد عدد الأشياء التي لا نحبها فيها. كأن المرآة الحديثة لا تقول للإنسان: «أنت جميل.» بل تقول: «هناك مشكلة.» ثم تبيع له الحل. هذه هي الصناعة الجديدة: صناعة النقص. اصنع للإنسان شعورا بأن شيئا فيه ناقص، ثم بع له شيئا يملأ النقص. ثم اكتشف نقصا آخر. وهكذا تستمر الآلة. إنها تجارة لا تحتاج إلى منتج جديد بقدر ما تحتاج إلى إنسان غير راض. وفي هذه المملكة، يصبح المشهور أكثر عرضة للمرض القديم نفسه: ضرورة أن تكون صورته أكبر من حياته. المؤثر يعيش داخل اقتصاد الانتباه. كل شيء يجب أن يكون مرئيا. السيارة مرئية. الساعة مرئية. المنزل مرئي. الزفاف مرئي. الجسد مرئي. الرحلة مرئية. حتى الحزن يمكن أن يصبح صورة. المشكلة أن الموت لا يحتاج إلى جمهور. الموت لا يطلب الإعجاب. ولا يملك زرا للقلب الأحمر. وهنا تظهر المفارقة السوداء في قصة رجل عاش في عالم الأرقام البراقة. 185 ألف متابع لا يستطيعون دفع الهواء إلى رئتي رجل واحد. مئات آلاف المشاهدات لا تستطيع إيقاف انسداد وعاء دموي. أغلى تابوت في العالم لا يصبح رئة. والذهب، مهما بلغ لمعانه، لا يتنفس.
ما أغرب الإنسان. يقضي حياته في محاولة أن يجعل جسده أثمن، ثم يكتشف في النهاية أن أكثر الأشياء قيمة فيه لم تكن قابلة للعرض أصلا. نبضة. نَفَس. خلية. وعاء دموي. جزء صغير من الرئة. أشياء لا تظهر في الصورة. أشياء لا تجمع إعجابات. أشياء لا تلمع. ومع ذلك، منها تتكون الحياة. كان القدماء أكثر تواضعا أمام الجسد. لم تكن أجسادهم كاملة بالطبع، لكنهم عرفوا أن الجسد كائن فان. سقراط تحدث عن العناية بالنفس. وأفلاطون ظل يرى في الجسد شيئا لا يمكن اختزاله في صورته. والرواقيون بنوا فلسفتهم على قبول ما لا يمكن للإنسان السيطرة عليه. أما نحن، فقد ورثنا شيئًا من هؤلاء جميعًا، ثم اخترعنا تطبيقا يقول لنا كل صباح إن هناك نسخة أفضل منا تنتظر أن ندفع ثمنها. يا لها من قفزة حضارية! الرواقي القديم كان يقول: «غيّر ما تستطيع، واقبل ما لا تستطيع.» أما إنسان الإعلانات فيقول: «ادفع، وربما تستطيع تغيير كل شيء.» لكن الجسد لا يقرأ الإعلانات. الجسد لديه قوانينه الخاصة. لهذا يبدو موت أوبيريبو وكأنه صفعة فلسفية على وجه عصر كامل. كان يريد زيادة صغيرة في الجسد. فجاء الموت ليذكره بأن الحياة نفسها هي الشيء الذي لا يمكن زيادته بضمان. نحن نزيد حجم الشفاه. نزيد العضلات. نزيد الشعر. نزيد الارتفاع. نزيد اللمعان. نزيد الذهب. لكننا لا نستطيع أن نزيد يوما واحدا بعد أن يأتي اليوم الأخير.
ويا لها من سخرية! الرجل الذي دُفن في تابوت ذهبي بالغ الثراء لم يستطع أن يحمل معه شيئا من ذلك الذهب إلى المكان الذي لا يحتاج فيه الإنسان إلى المال. كأن الحياة كتبت على قبره مثلا شعبيا جديدا: «من بالغ في تزيين القفص نسي أن يسأل الطائر إن كان حيا.» ولعل المثل القديم الأقرب هنا هو: «الزيادة أخت النقصان.» فكل زيادة لا تعرف حدها تنقلب على صاحبها. وهذا هو المرض الحقيقي الذي لا تتحدث عنه عيادات التجميل كثيرا: ليس مرض الجسد. بل مرض عدم الاكتفاء. أن ترى جسدك ولا تراه. أن ترى نفسك ولا تصدق ما ترى. أن تحتاج إلى عين الآخرين كي تمنحك شهادة بأنك موجود. ثم يصبح الآخرون سوقا. والسوق مرآة. والمرآة قاض. والقاضي لا يرحم. تقول لك: أنت لست كبيرا بما يكفي. لست شابا بما يكفي. لست عضليا بما يكفي. لست مثيرا بما يكفي. لست غنيا بما يكفي. لست مشهورا بما يكفي. وفي النهاية، يصبح الإنسان مسابقة ضد نفسه. لكن المشكلة أن الجسد لا يعرف معنى «كفى» الذي تعرفه الفلسفة. الجسد يتعب. يشيخ. يتغير. يتجعد. يفقد الشعر. تضعف العضلات. وتصبح المرآة أقل لطفا. وهذا ليس عيبا في الجسد. هذه هي شروط اللعبة. كل جسد يحمل في داخله موعدا سريا مع الزمن. ولا توجد عيادة تستطيع إلغاء الساعة بالكامل. يمكنها تأخير بعض آثارها. يمكنها تغيير بعضها. لكنها لا تستطيع قتل الزمن. فالزمن هو الجراح الذي لا يحتاج إلى مشرط. والشيخوخة هي عملية تجميلية يجريها الكون على الجميع، من دون استشارة أو تخدير. المؤثرون يملكون آلاف المتابعين. لكن الزمن هو المؤثر الأكبر. كلنا نتابعه. ولا يستطيع أحد إلغاء المتابعة.
ومن هنا ينبغي أن نتعامل مع قصة أوبيريبو لا بوصفها نكتة عن «رجل مات بسبب عملية تكبير»، فذلك يختزل المأساة في مادة ساخرة رخيصة، بل بوصفها حكاية عن إنسان عاش في عصر جعل الجسد مشروعًا دائمًا للتحسين. والسخرية الحقيقية ليست من الرجل. السخرية من العصر الذي أقنع الإنسان بأن عليه أن يكون نسخة محسنة من نفسه طوال الوقت. العصر الذي جعل الإنسان ينظر إلى جسده كما ينظر المستثمر إلى شركة متعثرة: «هناك مشكلة في هذا الجزء.» «نحتاج إلى استثمار.» «نحتاج إلى تحسين.» «نحتاج إلى زيادة.» «نحتاج إلى تحديث.» حتى يأتي يوم يصبح فيه الجسد نفسه هو المستثمر الأخير. وقد أثير بعد الوفاة سؤال آخر شديد الأهمية: هل كانت هناك مسؤولية مهنية أو خطأ من جانب العيادة؟ التحقيق لم يحسم ذلك، ولا ينبغي أن نسبق نتائجه. ما ثبت في التحقيقات المنشورة هو العلاقة التي خلص إليها الطبيب الشرعي بين الإجراء التجميلي والانصمام الرئوي القاتل؛ أما المسؤولية القانونية للعيادة فما زالت موضع بحث. وهذا التفريق ضروري. فالصحافة التي تريد أن تكون عادلة لا تحول الاحتمال إلى حكم. ولا تجعل الموت دليلا تلقائيا على الإهمال. لكنها أيضا لا تسمح بأن يختفي السؤال. ماذا قيل للرجل قبل الحقن؟ ما طبيعة الإجراء؟ من أجراه؟ ما المادة الدقيقة؟ ما المخاطر التي أُبلغ بها؟ هل كانت العيادة مؤهلة؟ هل كانت الكمية مناسبة؟ كيف كانت المتابعة بعد الإجراء؟
كل هذه الأسئلة ليست فضولا. إنها جوهر القضية. لأن السياحة الطبية والتجميلية قد تمنح الإنسان فرصة للوصول إلى خدمات أرخص أو مختلفة، لكنها تحمل أيضا تحديا أساسيًا: ماذا يحدث إذا وقع الخطأ بعيدا عن نظامك الصحي، وبعيدا عن طبيبك المعتاد، وبعيدا عن اللغة التي تفهم بها تفاصيل الإجراء؟ الجسد لا يعرف الحدود الدولية. لكن المسؤولية القانونية تعرفها جيدا. وهنا تصبح تايلاند في القصة أقل أهمية من ظاهرة أكبر: الإنسان الحديث يسافر آلاف الكيلومترات بحثا عن نسخة أفضل من نفسه. يطير من لندن إلى بانكوك. ومن نيويورك إلى إسطنبول. ومن باريس إلى سيول. السياحة لم تعد تعني رؤية المعابد والشواطئ فقط. لقد أصبحت أحيانا سياحة إلى جسد جديد. يذهب الإنسان ليعود بوجه آخر. أو أنف آخر. أو أسنان أخرى. أو شعر أكثر. أو جلد أنعم. أو عضلات أكبر. والسؤال الفلسفي المرعب هو: كم نسخة من نفسك تستطيع أن تغير قبل أن تسأل من الذي بقي؟ الجسد ليس قطعة أثاث. إنه بيت الوعي. وأي تغيير فيه ليس مجرد تغيير في الشكل؛ إنه تفاوض مع الهوية.
لذلك فإن أجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذه المأساة ليس «لا تغيّر جسدك». ذلك حكم ساذج. بل: «لا تسمح للسوق أن يقنعك بأن كراهيتك لجسدك هي شرط سعادتك.» هذه جملة أكثر إنصافا. الجمال حق. والعناية بالجسد حق. والإجراءات الطبية والتجميلية قد تكون مشروعة ومفيدة في حالات كثيرة. لكن الفرق بين العناية بالنفس والعبودية للصورة هو أن الأولى تقول: «أريد أن أشعر أفضل.» أما الثانية فتقول: «لا أستطيع أن أعيش ما لم يرني الآخرون أفضل.» وهنا يصبح الهاتف شريكا في القرار الطبي. والجمهور طبيبا. والإعجاب مخدرا. والترند مشرطا. يا لها من جمهورية غريبة! في الماضي كان الملوك يطلبون من الرسامين أن يجعلوهم أجمل مما هم عليه. اليوم لا يحتاج إلى رسام. يكفي فلتر. كان الإمبراطور يقول: «اجعلوا وجهي أكثر شبابا.» اليوم يقول الإنسان: «اجعلوا جسدي أكثر ملاءمة للصورة.» تغيرت الأدوات. لم تتغير الرغبة. الرغبة في أن نهزم المرآة. لكن المرآة لا تُهزم. يمكن فقط تغييرها. أما الموت فلا يحتاج إلى مرآة. حين جاء إلى أوبيريبو، لم يسأل عن اسمه على إنستغرام. لم يسأل عن زفافه. لم يسأل عن منزله في لوس أنجلوس. لم يسأل عن شقته في لندن. لم يسأل حتى عن التابوت الذي سيحمل جسده بعد ذلك. جاء الموت بوجه واحد. وقال، كما يقول دائما: «كفى.» وهذه الكلمة هي أكثر الكلمات رعبًا في قاموس الإنسان. كفى. لا مزيد من الزيادة. لا مزيد من التحسين. لا مزيد من الصور. لا مزيد من المقارنات. فقط جسد كان يريد أن يصبح أكبر، وحياة أصبحت أصغر من أن تستمر.
ربما يكون أكثر ما يوجع في القصة أن الرجل لم يمت لأنّه كان يريد أن يكون جميلا. مات، وفق نتائج التحقيق الطبي، من مضاعفة قاتلة مرتبطة بإجراء تجميلي كان هدفه تغيير جزء من جسده. وهذا فرق هائل. فالإنسان لا ينبغي أن يُعاقب أدبيًا لأنه أراد أن يحسن مظهره. لكن المجتمع ينبغي أن يتوقف لحظة ليسأل نفسه: متى تحولت العناية بالجسد إلى حرب عليه؟ متى أصبح الإنسان يشعر أن جسده عدوه؟ متى أصبحت الصورة أهم من صاحب الصورة؟ ومتى صارت كلمة «أكبر» فضيلة في كل شيء؟ أكبر منزل. أكبر سيارة. أكبر حفل. أكبر عدد متابعين. أكبر جسد. أكبر حضور. حتى الموت نفسه لم ينجُ من هذا المنطق؛ فقد حمل الرجل إلى قبره تابوتا ذهبيا هائل الكلفة، في مشهد يبدو كأنه خاتمة ساخرة لرواية عن البذخ والجسد والصورة. لكن الذهب، في النهاية، لا يملك ذاكرة. والتابوت لا يهمه عدد المتابعين. والرئة لا تفهم الشهرة. والجسد، مهما تأنق، يظل جسدا.
ربما كان الجاحظ سيغلق كتابه هنا، يضحك ضحكته الطويلة، ثم يقول لنا: يا معشر بني آدم، إنكم أنفقتم من الذهب على أجسادكم ما يكفي لشراء مدن، ثم اكتشفتم أن أثمن شيء فيكم كان شيئا لا يباع ولا يشترى: نفسا يدخل ويخرج دون أن يستأذن أحدا. ثم يفتح نافذة. ينظر إلى الناس في الشارع. يرى رجلا يعدل صورته. وامرأة تنظر إلى وجهها في الهاتف. وشابا يقيس عضلته أمام المرآة. ومؤثرا يبحث عن زاوية أفضل. ثم يبتسم. لأنه يعرف، كما عرف منذ قرون، أن الإنسان حيوان عجيب: يمتلك عقلا يكفي لاكتشاف النجوم، ثم يقضي ساعات طويلة يفكر في شكل أنفه. ويستطيع أن يبني آلات تصل إلى المريخ، لكنه قد يعجز عن التصالح مع جسده. ويعرف أن الحياة قصيرة، ثم ينفق عمره كله في محاولة أن يبدو خالدًا. أما حكاية «تايني»، فإنها ستبقى في مكان ما بين الطب والفلسفة والصحافة والسخرية. رجل أراد أن يزيد شيئًا في جسده. فذكّره الموت بأن أعظم ما نملكه ليس الحجم. إنه الوقت. والوقت، على عكس كل الأشياء التي نشتريها، لا يُعاد. ولعل الحكمة الأخيرة، وهي أبسط من كل الفلسفات، يمكن أن تكون: اعتنِ بجسدك، نعم. جمّله إن شئت. غيّر فيه ما يزعجك إن كان ذلك آمنا ومدروسا. لكن لا تجعل جسدك مشروعا لا ينتهي لإرضاء عيون لا تعرفك. فالمرآة لا تحبك. والجمهور لا يعرفك. والسوق لا يشبع. أما الجسد، هذا الكائن المسكين الذي تحمل فيه كل أحلامك، فلا يطلب منك في النهاية سوى شيء واحد: أن تترك له فرصة لكي يتنفس.
📲 Partager sur WhatsApp
من صور الوجود في الزمن المعاصر، الزمن الذي اكتساح فيه التقنية مختلف مناحي الجسد، من الشفط إلى كل الصور التي وقف عليها المقال، كل شيء مباح خارج كل إثيقا.